RSS

وائل الفخراني لماذا تركت “جوجل” لأنضم إلى “كريم”؟ | مقال مُترجم


wael-fakharany

استيقظت في أحد أيام يونيو 2016 عازما على ترك واحدة من أفضل الوظائف في مسيرتي العملية بشركة جوجل لأقرر الانضمام إلى شركة إقليمة ناشئة .. “كريم”. قررت أن أترك الراتب الكبير، في الشركة الأكثر نجاحا في العالم، قررت أن أترك العمل مع ألمع العقول والعودة إلى مصر .. في تلك اللحظة، ماالذي كُنت أفكر فيه بالضبط ؟لقد اتهمني والدي بالجنون، أما أصدقائي فاعتقدوا أنني أمر بأزمة منتصف العمر .. لكني أعتقد أنها فرصة منتصف العمر ..مسؤولية منتصف العمر.هذه هي حقيقة رحلتي التي أريد أن أُعرفكم بها :

ومن أجل ذلك، أريد منكم أن نفكر جميعا في رقم، رقم 9، تسعة أعوام. لقد مر ما يقرب من تسعة أعوام منذ ديسمبر عام 2007.

في تلك الأعوام التسعة، تخرج ابني “علي” من المدرسة الثانوية في مصر، ثم بعد ذلك تخرج من إحدى جامعات الولايات المتحدة، وانتقل بعد ذلك للعمل بدولة الإمارات.

في تلك الأعوام التسعة، أصبحت ابنتي “نور” فتاة شابة جميلة، تدرس الآن في واحدة من أصعب مدارس التصميم في العالم في مدينة نيويورك؛ وأضمن لكم، أنكم سوف تتذكرون اسمها عندما تنظرون قريبا إلى المباني والمنازل.

تسعة أعوام

في تلك الأعوام التسعة، رأينا العالم في تقلب مستمر، رأينا الركود، والانتفاضات والثورات في كل ركن من أركان الكوكب – خاصة على أرض الوطن (مصر). شهدنا تغيير أربعة رؤساء. شاهدنا حكومات تأتي وتذهب. رأينا قواعد تتغير بين عشية وضحاها. تغيرات لم يتوافق عليها الكثير منا .. خسر العديد منا الكثير في خضم هذه التغيرات. حيث يعتقدون أنها أحرقت الجسور التي كان من المفترض أن تمضي بنا إلى الأمام. لكن تحت رماد تلك النيران، ارتفع بصيصا من الأمل. ولم يكن من الطبيعي ولا المنتظر أن تخرج العنقاء .. ذلك الطائر الأسطوري من تحت هذا الرماد .. لكنها لم تكن نفس طائر العنقاء الموجودة في حكايات ما قبل النوم التي حكاها لنا آباؤنا بالريش المشتعل والهالة المتوهجة .. طائر العنقاء التي نملكها الآن قد أخذت شكل الأعداد الثنائية .. إنها تتحدث فقط بالأصفار والآحاد، العنقاء التي نملكها ستذهب إلى كل مكان

ماذا فعلت عنقاء جيلنا في تلك الأعوام التسعة ؟ لقد مزقت تماما ذلك الوضع القائم

في تلك الأعوام التسعة، ظهر فيسبوك – موقع ناشئ بواسطة شاب ترك الدراسة في جامعة هارفارد ليتفرغ لمشروعه – تطور من مجرد صورة أخرى لموقع MySpace إلى إمبراطورية كاملة من وسائل الاعلام والتواصل. جمعت أكثر من 1.5 مليار شخص من جميع أنحاء العالم. أطلقوا طائرات تعمل بالطاقة الشمسية. وأتاحوا الاتصال بالإنترنت في جميع أنحاء العالم. لقد غيروا حرفيا الطريقة التي نتحدث ونتواصل بها وننشر بها الأخبار، كأفراد ومؤسسات.

في تلك الأعوام التسعة، شركات مثل Airbnb أعادت تعريف وتشكيل أسلوب السفر والسياحة بشكلها التقليدي الذي نعرفه، وحولت كل منزل وغرفة إلى شبه فندق، ونافست كيانات عملاقة مثل هيلتون وشيراتون وغيرها في كل مدينة على وجه الأرض . Airbnb الآن لديها أكثر من 60 مليون مستخدم مُسجل في قواعدها، مع أكثر من مليوني منزل على قوائمها .وتقدر قيمتها بأكثر من 25 مليار دولار، وتغطي أكثر من 57000 مدينة في 191 دولة.

في تلك الأعوام التسعة، ظهرت الآلاف والآلاف من الشركات الناشئة في كل أنحاء مصر، والشرق الأوسط، بل والعالم بأسره. نظر الملايين من الشباب من حولهم، وأدركوا أن هذا العالم لم يعد برضيهم، وأنهم سوف يقومون بتحديه وتغييره. اللاجؤون السوريون يمكنههم أن يجدوا أملا جديدا لهم ولقضيتهم من خلال التطبيقات الجديدة على المحمول التي توصلهم بسهولة لعائلات على استعداد لفتح بيوتهم لهم وإيوائهم. المرأة السورية تشعر بالإلهام في صنع منتجات وبيعها للناس من خلال تطبيقات مثل Mumm

مجموعة من رواد الأعمال المصريين أخذوا ما بدا وكأنه فكرة مجنونة على الورق وبدأوا في تطبيقها فعليا حتى أصبحت واقعا عندما أطلقوا شركة KarmSolar – وانتهى بهم المطاف إلى أنهم بيعون الطاقة للحكومة المصرية الآن. فكرة أخرى مثل Nafham.com أرادت أن تأخذ التعليم من المدارس وتوسعه ليشمل كل شاشة متصلة بالإنترنت حتى يسود العلم والمعرفة – واليوم تغطي الفكرة مناهج كاملة من خمس دول في منطقة الشرق الأوسط. نظرت الأفكار الناشئة المصرية في صناعة “ثورة” في كل ما هو موجود منذ فترة طويلة. حتى عندما تعلق الأمر بالنعي. رأى موقع ElWafeyat.com فرصة بالنسبة لنا للتواسي في العالم الرقمي

كل ما سبق – حدث في تسعة أعوام

في تلك الأعوام التسعة، كنت جزء من جوجل، واتخذت العديد من الأدوار في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وعالميا، كنت أنمو وأكبر على المستوى الشخصي والوظيفي. ساهمت في إطلاق جوجل في مصر وتنميتها بصفتي المدير الإقليمي لجوجل في مصر وشمال أفريقيا جنبا إلى جنب مع فريق عمل مدهش. كنت جزءا من ذلك الفريق عندما وسعت جوجل عملياتها بشكل أكبر في الشرق الأوسط مع دبي لتقود الساحة، لقد كنت دوما ذلك الشخص الحالم، لذلك قررت أني في حاجة إلى تحد أكبر، أريد متاعبة الأحلام وجعلها حقيقة واقعية. قررت الانضمام إلى جوجل – أكس؛ قسم من جوجل مخصص للقفزات الكُبرى إلى الأمام.

هل تعرف “جوجل-إكس” ؟ “جوجل إكس” هي بالأساس وحدة في جوجل لا تنظر فقط للمشاكل القائمة، وتحاول حلها، لكنها وحدة متخصصة في “التفكير بطريقة Moonshot Thinking أو “الصعود إلى القمر “.. ماذا يعني هذا ؟ يعني التفكير بأسلوب يجعلك تقفز قفزات هائلة إلى الأمام، عن طريق وضع تصور للمشاكل التي لم تظهر بعد – ومعرفة الطرق الأفضل لحل هذه المشاكل بمساعدة التكنولوجيا. لشخص فضولي مثلي، كان هذا يُعد هو الحلم. أنا حصلت على العمل جنبا إلى جنب مع بعض من ألمع العقول في عصرنا، وربما في كل العصور. شاركت في مشروعات ستغير الطريقة التي يعيش بها البشر حياتهم

إن السؤال المنطقي في أذهان أغلب الناس، وربما ذهنك أنت أيضا، هو: “وائل، لماذا تركت وظيفتك الرائعة هذه ؟” حسنا، أنا افترض أنك يمكن تشبيه تجربتي في اختيار الإستقالة من جوجل كاختيار إنهاء علاقتي مع حبيبتي في سن الجامعة. كانت جميلة، ذكية، محبوبة من قبل جميع – ومني – لكنها لم تكن المُختارة . إنه شعور لن تستطيع الهرب منه مهما حاولت. إدراكي أني اكتفيت من العمل مع جوجل لم يكن بأي حال سلسا أو سريعا. لكنك كنت تعرف أن هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله. تخشى ألا تقابل فتاة مثلها مرة أخرى. تخاف أن أحدا لن يستطيع ملء هذا الفراغ. في نهاية المطاف، فلتستجمع ما يكفي من الشجاعة لكسر قلبك وقلبها. ستكون خائفا لأنك قد بذلت جهدا في العمل من أجلها لدرجة لن تتمكن بعدها من التخلي عنها، حتى لو شعرت بالآسى بشكل أو بآخر.

في النهاية، أود أن أقول أن ذلك يُعد واحدا من أهم قراراتي التي أخذتها في حياتي. لم يكن لأني رحلت عن مدير تعاملنا معا كأسرة، أو بسبب الراتب الذي بالكاد له نظير في مكان آخر، أو الخدمات والامتيازات التي لا تُضاهى في أي شركة أخرى، لكن لأنني علمت أن تركي لهذه العلاقة من شأنه أن يفتح المجال لما هو أكثر من ذلك بكثير.

المشكلة مع جوجل، مثل المشكلة مع شريكة سابقة فُزت معها بعلاقة رائعة، والآن تشعر بالذنب حيال نواياك للرحيل. كل تلك الامتيازات التي ذكرتها قد أصبحت لا شعوريا هي نفسها محفزات بالنسبة لي. كان من الرائع أن تعمل في واحدة من الـشركات الـ 500 الأغنى في العالم – وواحدة من أكبر خمس شركات في العالم من حيث القيمة. وجاهة منصبي بين أقراني، وجاهة الراتب والمزايا التي توفرت لي ولعائلتي. لقد كانت غطاء السلامة الذي تخشى الآن أن تبتعد عنه. عدم معرفة كيف ستكون الامور بعد أن ظلت تسير بطريقة معينة لفترة طويلة. إنه شعور الذنب الذي ينال منك لأنه يثير في نفسك عديدا من الأسئلة: ألا ينبغي أن أكون ممتن لجميع تلك الوجبات المجانية، وجلسات المساج، وأيام العمل من المنزل ؟، … الخ، خصوصا بعد تسعة أعوام كاملة؟ الحقيقة هي، أني كنت ممتنا للغاية، بل مُنعما – وأورثني هذا شعورا أسوأ. لأنني عرفت أنني أريد الرحيل

إذا كنت صريحا معكم اليوم، فسأقول أن الدافع الحقيقي لتركي جوجل والانضمام لكريم هو دافع مزدوج. كان ذلك بسبب الخوف والنهم والإستياء. والخوف ربما كان هو الجزء الأصعب، الخوف من الانتظار لفترة أطول ثم أُدرك ذلك فجأة بعد فوات الأوان. الخوف من شعور الاستقرار الآمن والمريح، الخوف أنني لم أُراهن بعد رهاني الخاص. قد يُعتبر هذا الأمر بمثابة مفاجأة لكم، نظرا لأني على وشك بلوغ الـ 50 من العمر، ولكن الآن أكثر نهما مما كنت عليه أكثر من أي وقت مضى في حياتي كلها. نهما لترك أثرا أكبر مما تركت من قبل .نهم لدفع وقيادة التغيير حيث أعرف أنني يمكن أن أحدث فارقا. نهما لإلهام وقيادة الشباب الساعين لإمتلاك مقدراتهم ومستقبلهم، لتحدي وتمزيق الوضع الراهن وتشكيل طريقهم الخاص. لم أكن راضيا بالمرة عن الشركات العالمية التي تسعى دوما لصنع منتجا رائعا ثم التوسع في الدعاية لذلك المنتج بشكل لا نهائي في جميع أنحاء العالم. كنت مستاء لأن تلك الشركات غير مبالية إطلاقا بالقيم المحلية للدول التي تعمل بها. كنت مستاء أننا كمنطقة لم ينظر لنا باعتبار أنها جديرة بإخراج شركات مليارية، توفر خدمات بجودة عالمية مماثلة – إن لم يكن أفضل . مستاء من النظر لهذه الفكرة على أنها ستبقى دائما حلما بعيد المنال

بالنسبة لي، “كريم” يمثل أكثر من مجرد حلم، تُمثل وعدا. وعدا أن شركة محلية، من هذه المنطقة، صنعها أفراد نشأوا فيها وفهموا مشاكلها، يمكنها أن تُلبي تلك القضايا. فكرة أنها لن تبحث قضاياها بنفس أسلوب الشركات المتعددة الجنسيات، وليس عن طريق تطبيق قانون عالمي شامل مع عدم الاهتمام بما يريده المستخدمون. فالأمر متعلق بالالتزام بالقوانين المحلية بشكل كامل وحقيقي، واليقين من أننا جزء من المجتمع. وأننا سنقوم بتوفير معيارا لا نظير له من الخدمة؛ وأن جميع الأطراف المعنيين ، سواء نحن، أو الحكومة، أو قادة العمل، أو المستخدمين سنكون جميعا رابحين.

البعض منا – مثلي – لن يكون سعيدا إلا بترك إرثا يتجاوز الزمان والأشخاص، إرثا يُعيد تعريف عصرا بأكمله. أؤمن بأن عملي مع “كريم” حان لتحديد هذا العصر. إنه عصر التغيير والقفز إلى الأمام. لمرة واحدة نحن – كمصريين وعرب – ستكون فرصتنا للمبادرة بهذا التغيير، تغيير المستقبل ليصبح أكثر ملائمة لنا، واختيار المسار الذي يتناسب مع قيمنا الخاصة، مهمتنا الخاصة ورؤيتنا الخاصة. أعرف أن أبنائي سيبلغون قمما لم أتصورها في حياتهم العملية. بعضنا يرضى بترك إرثا عبارة عن ذكرى طيبة. لكن الذكريات تتلاشى.

تحية للذين يعملون بجد لجعل هذا المكان أفضل لنا اليوم، لأطفالنا غدا ولأطفالهم في السنوات القادمة. وتحية لأولئك الذين جاءوا لندرك التمكين لأنفسنا وإعادة تشكيل عالمنا من خلال سد الثغرات التي نراها .. والتي نراها نحن فقط. تحية مساعدتنا في تمكين مليون مصري في غضون السنوات الثلاث المقبلة. تحية الإحتواء والتمكين، وتكافؤ الفرص.

مترجم بوساطة صاحب المدونة عن مقال وائل الفخراني : ? Why I left Google to join Careem

الإعلانات
 

الأوسمة: , , , ,

صورة

الملك ذو القرنين


persia

أسس ذو القرنين دولة عظيمة مترامية الأطراف .. وخضعت الممالك والأمم لسلطانه وأبنائه دهرا طويلا .. فمن يكون ؟

ذو القرنين – شخصية حيرت المفكرين أربعة عشر قرنا .. لا يوجد مفسرا للقرآن أو باحث إلا وحاول التنقيب عن هذه الشخصية الغامضة .. ذكر تفسير الكشاف للزمخشري : أنه الإسكندر و قيل أنه عبد صالح .. نبي. أو ملك وذكر ابن كثير في تفسيره أنه الإسكندر ثم أبطل هذا لاحقا. أما القرطبى في تفسيره فقد أورد أقوالا كثيرة أيضا أنه كان من أهل مصر و اسمه “مرزبان”، و نقل عن ابن هشام أنه الاسكندر، ذكر آخرون أنه اخناتون الملك المصري الموحد، وغيرهم نسبوه إلى مملكة حمير اليمنية .. على اعتبار أن اليمن كانت تأتي بملوك يلقبون بـ”ذي” . كذي نواس .. وذي يزن الحميري ..وشطح أخرون بالقول أنه جنكيز خان .. وكل ما سبق أقوال واجتهادات بشرية تُرد إذا ما بلا دليل أو ناقضت العقل، فلا يُعقل أن يكون جنكيز خان هو ذي القرنين لمجرد أنه كان يرتدي خوذة بقرون كبش كرمز للقوة ويحتل مساحات شاسعة من الأراضي

حتى ظهر قبل منتصف القرن العشرين محيي الدين أحمد بن خير الدين المشهور بلقب “أبو الكلام آزاد”، وقد أخذ كنية “أبو الكلام” لكونه خطيباً بارعاً،. كان اول وزير للتعليم في الهند بعد الاستقلال. ألف العديد من الكتب أهمها تفسير للقرآن باللغة الأردية بالاضافة إلى إتقانه للإنجليزية والفارسية والأردية والعربية. وله أبحاث ورحلات عديدة بالمشرق العربي.
لم يرتض أبو الكلام آزاد قولا من هذه الأقوال، بل ردها كلها، و قال عنها: إنها قامت على افتراض مخطيء لا يدعمه دليل.

أبو الكلام آزاد

و عنى بالرد على من يقول بأنه الإسكندر المقدوني.. بأنه لا يمكن أن يكون هو المقصود بالذكر في القرآن، إذ لا تعرف له فتوحات بالمغرب، كما لم يعرف عنه أنه بنى سدا، ثم إنه ما كان مؤمنا بالله، و لا شفيقا عادلا مع الشعوب المغلوبة، و تاريخه مدون معروف. كما رد على من يقول بأنه عربي يمني.. بأن سبب النزول هو سؤال اليهود للنبي عليه الصلاة و السلام عن ذي القرنين لا للاستفهام للمعرفة، بل لتعجيزه و إحراجه .. حينما أوعزوا لقريش قائلين “وسلوه عن رجل طوافة طاف مشارق الأرض ومغاربها”. ولو كان عربيا من اليمن لكان هناك احتمال قوي لدي اليهود- على الأقل- أن يكون عند قريش علم به، و بالتالي عند النبي صلى الله عليه و سلم، فيصبح قصد اليهود تعجيز الرسول عليه الصلاة و السلام غير وارد و لا محتمل. لكنهم كانوا متأكدين حين سألوه بأنه لم يصله خبر عنه، و كانوا ينتظرون لذلك عجزه عن الرد.. والحاصل أن المفسرين لم يصلوا إلى نتيجة مقنعة في بحثهم عن ذي القرنين، القدماء منهم لم يحاولوا التحقيق، و المتأخرون حاولوه، و لكن كان نصيبهم الفشل. وآخرين تكاسلوا واتبعوا الأولين في الأراء الغريبة من أنه الإسكندر أو اخناتون أو غيره ولا عجب فالطريق الذي سلكوه كان طريقا خاطئا.
لقد صرحت الآثار بأن السؤال كان من قبل اليهود، فكان لائقا بالباحثين أن يرجعوا إلى أسفار اليهود و يبحثوا هل يوجد فيها شيىء يلقي الضوء على شخصية ذي القرنين، إنهم لو فعلوا ذلك لفازوا بالحقيقة
لماذا ؟ لأن توجيه السؤال من اليهود للنبي عليه الصلاة و السلام لإعجازه ينبىء عن أن لديهم في كتبهم و تاريخهم علما به، مع تأكدهم بأن النبي عليه الصلاة و السلام أو العرب لم يطلعوا علي ما جاء في كتبهم.. فكان الاتجاه السليم هو البحث عن المصدر الذي أخذ منه اليهود علمهم بهذا الشخص.. و مصدرهم الأول هو التوراة.

و أمسك أزاد بالخيط وبدأ الطريق الصعب بالبحث..لقب ذو القرنين جاء بلسان اليهود، فهو لقب لم يطلقه القرآن عليه، بل هو كان معروف في زمانه للعامة ولليهود أنفسهم بذلك اللقب .. لقوله تعالى “ويسألونك عن ذي القرنين” وأيضا “قالوا يا ذا القرنين” .. إذا فقد كان هذا لقبه المشهور به
قرأ آزاد وبحث في التوراة حتى وصل إلى سفر دانيال الإصحاح الثامن الآيات من (4 – 22)، حيث رؤيا منامية للنبي دانيال يقول فيها

4. فرفعت عيني و رأيت و إذا بكبش واقف عند النهر و له قرنان و القرنان عاليان و الواحد أعلى من الآخر و الأعلى طالع أخيرا
5. رأيت الكبش ينطح غربا و شمالا و جنوبا فلم يقف حيوان قدامه و لا منقذ من يده و فعل كمرضاته و عظم
6. و بينما كنت متآملا إذا بتيس من المعز جاء من المغرب على وجه كل الأرض و لم يمس الأرض و للتيس قرن معتبر بين عينيه
7. و جاء إلى الكبش صاحب القرنين الذي رأيته واقفا عند النهر و ركض إليه بشدة قوته
8. و رأيته قد وصل إلى جانب الكبش فاستشاط عليه و ضرب الكبش و كسر قرنيه فلم تكن للكبش قوة على الوقوف أمامه و طرحه على الارض و داسه و لم يكن للكبش منقذ من يده
9. فتعظم تيس المعز جدا و لما اعتز انكسر القرن العظيم و طلع عوضا عنه اربعة قرون معتبرة نحو رياح السماء الاربع

ثم يكمل النبي “دانيال” أن قدوسا (جبريل) جاء ففسر له تلك الرؤيا المنامية .. فماذا قال له :

20. أما الكبش الذي رأيته ذا القرنين فهو ملك مادي و فارس
21. والتيس العافي ملك اليونان و القرن العظيم الذي بين عينيه هو الملك الاول
22. وإذا انكسر و قام أربعة عوضا عنه فستقوم أربع ممالك من الأمة و لكن ليس في قوته

شرح ما سبق أن النبي دانيال رأى في منامه كبشا ذا قرنين قويين عاليين واقفا عند النهر .. ينطح ويقهر كل من يقف أمامه .. ثم بعد فترة جاء تيسا بقرن واحد بين عينيه .. ركض بشدة تجاه الكبش وضربه وكسر قرنيه ولم تكن له قدرة على مواجهة التيس الذي طرحه أرضا وداسه ولم يجد الكبش منقذا له .. ثم بعد ذلك تعظم التيس وكبر وزادت قوته ثم فجأة انكسر قرنه وخرجت عوضا منه أربعة قرون صغيرة بالاتجاهات الأربع (الشرق والغرب والشمال والجنوب)

فنادي “دانيال” على جبريل عليه السلام ليفسر له الرؤيا .. ففسرها له قائلا .. أن الكبش هو ملك يظهر يوحد مملكتي ليديا (الأناضول الأن) وفارس.. وهو نفسه “ذو القرنين” وتنطق بالعبرية “لوقرانائيم”، ثم يشتد ملكه ويظهر على من حوله وتخضع له الممالك وأما التيس الذي يقهره بعد حين فهو الملك الأول من ملوك اليونان “الإسكندر” الذي تخضع له الأمم لكن ما تلبث تلك المملكة أن تسقط وتخرج من تحتها أربع ممالك أصغر وأضعف.

إذا نظرنا تاريخيا إلى ما سبق .. فإن توحيد مملكتي ليديا وفارس كان على يد الملك العظيم “كورس أو خورس” كما ذكرت التوراة ويعرف في التراث العربي بـ”قورش أو كورش”.

اضطر آزاد للبحث في التاريخ اليوناني عن “كورش” لأن المصادر والخطوطات الفارسية دُمرت في غزو الإسكندر .. لذا فإذا أنصفته المصادر اليونانيه تكون أوثق و أدعي للتصديق، إذ أن المؤرخين اليونان من أمة كان بينها و بين الفرس عداء مستحكم و مستمر، فإذا شهدوا لكورش فإن شهادتهم تكون شهادة حق لا رائحة فيها للتحيز

فمن هو كورش أو قورش ؟

إنه من أسرة فارسية ظهر في منتصف القرن السادس قبل الميلاد في وقت كانت فيه بلاده منقسمة إلي دويلتين تقعان تحت ضغط حكومتي بابل و آشور القويتين، فاستطاع توحيد الدولتين الفارسيتين تحت حكمه، ثم استطاع أن يضم إليها البلاد شرقا و غربا بفتوحاته و أسس أول إمبراطورية فارسية، و حين هزم ملك بابل سنة 538 ق.م. كان هذا إيذانا بانتهاء السبي اليهودي وعودة اليهود الأسرى إلى بلادهم

فبعد أن ذاع صيت عدله في أركان الأرض ذهبت جماعة من بني اسرائيل ورجوه أن يخلصهم في ظلم حكومة بابل .. وقد فعل قورش ذلك وقضى على امبراطورية بابل التي امتدت لقرون قضاء حاسما .. وورث مملكتهم العريضة . ثم أتاح قورش لليهود الرجوع لبلادهم أورشليم، مزودين بعطفه و مساعدته و تكريمه. وأمنهم على أموالهم وأعراضهم وأمر الجميع بمساعادتهم في بناء الهيكل وإعادة أموالهم وأثارهم المنهوبة من حكومة بابل.. هذا إلى جانب فتوحاته العظيمة في الغرب حتى حدود الأناضول والشرق حتى وسط آسيا . .. وكان هذا مصدقا للقرآن “إنا مكنا له في الأرض”، وحديث الرسول (ملك الأرض أربعة: مؤمنان وكافران؛ فالمؤمنان: ذو القرنين وسليمان، والكافران: نمرود وبخت نصر، وسيملكها خامس من أهل بيتي)

1260esbo3_html_796d06531
و قد كان حاكما مؤمنا موحدا على دين زرادشت قبل التحريف . قويا عادلا فريدا في حكمه .. وأجمعت المصادر اليونانية نفسها أنه كان ملكا كريما، سمحا، نبيلا مع أعدائه، صعد إلي المقام الأعلى من الإنسانية معهم

وقد ذُكر قورش في التوراة عدة مرات بعد ذلك بتزكية غير مسبوقة
قال الرب: “أن خورس راع لي، وهو يتم مرضاتي كلها”، وقال : “أنا أخذت بيده اليمنى لأجعل الأمم في حوزته “ ثم يخاطب الله خورس نفسه “أفعل كل ذلك لتعلم أنني الرب، إله إسرائيل الذي ناداك باسمك صراحة لأجل إسرائيل، شعبه المختار”
وفي آيات أخرى يوصفه في سفر أشعياء بالعقاب : “ادعو عقابا من الشرق، ادعو ذلك الرجل الذي يأتي من أرض بعيدة ويتم سائر مرضاتي”

Magical Snap - 2016.09.23 08.40 - 001.png

صورة تخيلية للملك قورش في قصر الحكم

تمثال قورش

يقول آزاد : بعد وضع ذلك البحث بسنوات لما تمكنت من مشاهدة آثار إيران القديمة ومن مطالعة مؤلفات علماء الآثار فيها زال الحجاب، إذ ظهر كشف أثري قضي علي سائر الشكوك، لقد وجد هذا الكشف الحجري الهام منصوبا في مكان يبعد عن عاصمة إيران القديمة “اسطخر” بنحو خمسين ميلا فتقرر لدي بلا ريب أن المقصود بذي القرنين ليس إلا كورش نفسه فلا حاجة بعد ذلك أن نبحث عن شخص آخر غيره

الأثر الذي عُثر عليه لتمثال قورش الكبير (ذو القرنين) .. بجناحين كجناحي العقاب وقرنين كقرني الكبش

. ” إنه تمثال علي القامة الإنسانية، ظهر فيه كورش، و علي جانبيه جناحان، كجناحي العقاب (لنتذكر سفر أشعياء : ادعو عقابا من الشرق .. وفارس تقع شرق بابل)، و علي رأسه قرنان كقرني الكبش، فهذا التمثال يثبت بلا شك أن تصور “ذي القرنين” كان قد تولد عند كورش، و لذلك نجد الملك في التمثال و علي رأسه قرنان” أي أن التصور الذي خلقه أوجده اليهود للملك المنقذ لهم “كورش” كان قد شاع و عرف حتى لدي كورش نفسه علي أنه الملك ذو القرنين.. أي ذو التاج المثبت علي ما يشبه القرنين..

وفاة قورش

ضريح قورش – مدينة باسارغارد العاصمة الأولي للإمبراطورية الفارسية – إيران

توفي قورش بعد أن ملأ الأرض عدلا وتسامحا في عام 529  ق.م  أثناء حروبه مع قبائل همجية شرقي بحر قزوين ويُعرف باسم “ماساغيتي”ومازال ضريحه قائما حتى اليوم في إيران في مدينة باسارغاد – العاصمة الأولى للإمبراطورية الفارسية

بعد وفاة ذي القرنين جاء ابنه إلى الملك “كمبوشيا” أو “قمبيز” والذي لم يكن على نفس القوة والسماحة والنبل، فاضطربت البلاد في عهده، ثم جاء “داريوش” فكان على درب “قورش” فحكم بالعدل وأطفأ النار فاستقرت الأوضاع دهرا .. حتى جاء بعد ذلك الإسكندر “التيس في الرؤيا” وكسر وحدة فارس مع ليديا وهزمهم واقتحم عقر دارهم، لكن ملكه لم يستمر طويلا وذوى بموته

هناك احتمالا قويا أن النبوءة والتزكيات قد وضعت في التوراة قد كُتبت بعد وفاة ذي القرنين والإسكندر، لكن ذلك لا ينال شيئا من مكانة ذي القرنين العظيمة عند اليهود وفي أدبياتهم

******************

يأجوج ومأجوج ومكان السد

يقول أزاد في بحثه: ” لقد تضافرت الشواهد علي أنهم لم يكونوا إلا قبائل بشرية همجية بدوية من السهول الشمالية الشرقية، تدفقت سيولها من قبل العصر التاريخي إلي القرن التاسع الميلادي نحو البلاد الغربية و الجنوبية، و قد سميت بأسماء مختلفة في عصور مختلفة، و عرف قسم منها في الزمن المتأخر باسم “ميغر” أو “ميكر” في أوروبا.. و باسم التتار قي آسيا، و لاشك أن فرعا لهؤلاء القوم كانوا قد انتشروا علي سواحل البحر الأسود في سنة 600 ق.م.

و أغاروا علي آسيا الغربية نازلين من جبال القوقاز، و لنا أن نجزم بأن هؤلاء هم الذين شكت الشعوب الجبلية غاراتهم إلي “كورش” فبني السد الحديدي لمنعها، و تسمي هذه البقعة الشمالية الشرقية ( الموطن الأصلي لهؤلاء باسم “منغوليا ” و قبائلها الرحالة “منغول”، و تقول لنا المصادر اليونانية أن أصل منغول هو “منكوك” أو “منجوك” و في الحالتين تقرب الكلمة من النطق العبري “ماكوك” و النطق اليوناني “ميكاك”، إن كلمتي : ” يأجوج و مأجوج ” تبدوان كأنهما عبريتان في أصلهما و لكنهما في أصلهما قد لا تكونان عبريتين، إنهما أجنبيتان اتخذتا صورة العبرية فهما تنطقان باليونانية “كاك Gag” و “ماكوك Magog” و قد ذكرتا بهذا الشكل في الترجمة السبعينية للتوراة، و راجتا بالشكل نفسه في سائر اللغات الأوروبية “. و الكلمتان تنطقان في القرآن الكريم بهمز و بدون همز

حاول آزاد تحدد مكان السد بأنه في البقعة الواقعة بين بحر الخرز “قزوين” و “البحر الأسود” حيث توجد سلسلة جبال القوقاز بينهما، و تكاد تفصل بين الشمال و الجنوب إلا في ممر كان يهبط منه المغيرون من الشمال للجنوب، و في هذا الممر بني كورش سده، كما فصله القرآن الكريم، و تحدثت عنه كتب الآثار و التاريخ. و يؤكد أزاد كلامه بأن الكتابات الأرمنية – و هي كشهادة محلية – تسمي هذا الجدار أو هذا السد من قديم باسم ” بهاك غورائي” أو “كابان غورائي” و معني الكلمتين واحد و هو مضيق “غورش” أو “ممر غورش” و “غور” هو اسم “غورش أو كورش”. و يضيف أزاد فوق هذا شهادة أخري لها أهميتها أيضا و هي شهادة لغة بلاد جورجيا التي هي القوقاز بعينها. فقد سمي هذا المضيق باللغة الجورجية من الدهور الغابرة باسم ” الباب الحديدي “.

dam1

ردم ذو القرنين – الذي يُعتقد أن يقع وسط جبال أوزباكستان وقيرجيستان

و بهذا يكون أزاد قد حدد مكان السد و كشف المراد من يأجوج و مأجوج.. و قد تعرض لدفع ما قيل أن المراد بالسد هو سد الصين، لعدم مطابقة مواصفات سد الصين لمواصفات سد ذي القرنين و لأن هذا بني سنة 264 ق.م. بينما بني سد ذي القرنين في القرن السادس قبل الميلاد. كما تعرض للرد علي ما قيل بأن المراد بالسد هو جدار دربند، أو باب الأبواب كما اشتهر عند العرب بأن جدار دربند بناه أنوشروان ( من ملوك فارس من 531 – 579 م ) بعد السد بألف سنة، و أن مواصفاته غير مواصفات سد ذي القرنين و هو ممتد من الجبل إلي الساحل ناحية الشرق و ليس بين جبلين كما أنه من الحجارة و لا أثر فيه للحديد و النحاس.

dam2

صورة بجوجل أيرث توضح سد (ردم) ذو القرنين .. ارتفاعه 200 متر وعرضه 180 مترا حسب مقاييس جوجل ايرث .. ويُلاحظ التباين بين تضاريس الجبال المحيطة وبين السد .. ويمكن البحث عنه بواسطة إدخال إحداثيات الصورة في جوجل إيرث أو من هذا الرابط

و على ذلك يكون المقصود بالعين الحمئة هو الماء المائل للكدرة و العكارة وليس صافيا. و ذلك حين بلغ الشاطيء الغربي لآسيا الصغري و رأي الشمس تغرب في بحر إيجه في المنطقة المحصورة بين سواحل تركيا الغربية شرقا و اليونان غربا وهي كثيرة الجزر و الخلجان.
والمقصود بمطلع الشمس هو رحلته الثانية شرقا التي وصل فيها إلي حدود باكستان و أفغانستان الآن ليؤدب القبائل البدوية الجبلية التي كانت تغير علي مملكته. و المراد ببين السدين أي بين جبلين من جبال القوقاز التي تمتد من بحر الخزر ( قزوين ) إلي البحر الأسود حيث إتجه شمالا.

و لقد كان أزاد بهذا البحث النفيس أول من حل لنا هذه الإشكالات التي طال عليها الأمد ، و حيرت كل المفكرين قبله. و حقق لنا هذا الدليل ، من دلائل النبوة الكثيرة.. رحمه الله و طيب ثراه

المصادر

كتاب شخصية ذو القرنين المذكورة في القرآن الكريم – أبو الكلام آزاد 
من مقال للدكتور عبد المنعم النمر بمجلة العربي العدد 184

 

الأوسمة: , , , , , , , , ,

القوقعة


image

جرت أحداث هذه القصة في الثمانيات والتسعينات من القرن الماضي، وقت أن كان يحكم حافظ الأسد سوريا
*******
مصطفى خليفة .. هو الإسم المستعار لكاتب هذه السيرة .. ويصنف نفسه على أنه “مسيحي ملحد” هكذا يقول عن نفسه في كتابه،  وطنه سوريا .. وهو من عائلة مسيحية كاثوليكية يعيش نصفها في باريس وقد عاش بينهم مصطفى 6 سنوات لدراسة الإخراج السينمائي وتفوق في دراسته .. ثم قرر أن يعود إلى وطنه .. وكان آخر كلماته التي قالها لحبيبته سوزان التي افترق عنها هي : سوزان .. أنا أحب بلدي، مدينتي. أحب شوارعها وزواياها. هذه ليست رومانسية فارغة، إنه شعور أصيل، أحفظ العبارات المحفورة على جدران البيوت القديمة في حينا، أعشقها، أحن إليها. هذا أولاً، أما ثانياً فهو أنني أريد أن أكون مخرجاً متميزاً، في رأسي الكثير من المشاريع والخطط، إن طموحي كبير،  في فرنسا سوف أبقى غريباً، أعمل كأي لاجيء عندهم، يتفضلون علي ببعض الفتات … لا… لا أريد. في بلدي أنا صاحب حق… وليس لأحد ميزة التفضل عليّ،  بقليلٍ من الجهد أستطيع أن أثبت وجودي، هذا إذا نحّينا جانبا حاجة الوطن لي ولأمثالي

******

نزل مصطفى من سلم الطائرة يملأه الشوق ويطيره الطموح  إحساس من يعود إلى منزله .. يا لها من لحظة رائعة .. وقف أمام موظف الجوازات لمراجعة أوراقه .. طلب منه الإنتظار .. أجرى اتصالا فجاء إثنان من رجال الأمن واصطحباه في سيارة إلى مبنى في وسط العاصمة تابع للمخابرات السورية لا يسمع فيه إلا صراخ المُعذبين وأصوات السياط  ولا يشم فيها إلا روائح الدم والعرق واللحم البشري المنتوف

لقد بدأت رحلة العذاب والمهانة التي ستنتهي بعد 13 عاما يتحول فيها الإنسان السمين العظيم إلى ظل أو شبح أو إلى أي شيء أخر لا قيمة له في هذا الحياة

لم يتحدث أحدُ معه بل وجد نفسه مجردا من ملابسه يُضرب بالخيرزان بقسوة، وبعد عدة مئات من الضربات التى فقد فيها الوعي .. طلب منه المحقق أن يروي كل شيء يعرفه عن تنظيم الإخوان المسلمين وإلا .. في تلك اللحظة أضاء الأمل في قلب مصطفى .. فهو مسيحي صميم .. واسمه واسم عائلته الحقيقي يشي بذلك..إذا فهناك لبس لاشك فيه ..

– حاول مصطفى أن يوضح ذلك اللبس صارخا: “ سيدي .. أنا مسيحي.. أنا مسيحي”
– تعجب المحقق قائلا : “شو ولا !! عم تقول مسيحي ؟! العمى بعيونك ولا ..ليش ما حكيت ؟! ليش جايبينك لكان؟..أكيد..أكيد عامل شغلة كبيرة!..مسيحي؟!”
– مصطفى : – أنتو ما سألتوني يا سيدي ..ومو بس مسيحي .. أنا رجل ملحد ..أنا ما بآمن بالله !!
و قد ندم مصطفى فيما بعد على فذلكته تلك حيث أعلن إلحاده أمام محققين مجرمين لا يعبدون أي شيء إلا النظام
– هتف المحقق : وملحد كمان !!!!!!
– هتف مصطفى : نعم .. والله العظيم (هكذا أقسم مصطفى)
– صمت المحقق فترة ثم قال : قال ملحد قال.. لكننا دولة إسلامية .. ثم استكملوا التعذيب

******

عرف مصطفى فيما بعد أن أحدهم، وكان طالبا “وطنيا” معه في باريس، قد كتب تقريرا رفعه إلى الجهة الأمنية التي يرتبط بها، يقول هذا التقرير إن مصطفى قد تفوه بعبارات معادية للنظام القائم (حافظ الأسد في حينها)، وإنه قد تلفظ بعبارات جارحة بحق رئيس الدولة، وهذا الفعل يعتبر من اكبر الجرائم، يعادل فعل الخيانة الوطنية إن لم يكن أقسى

******

انتقل مصطفى إلى السجن الصراوي وعلم أن كل ما سبق لم يكن يزيد عن “لعب عيال” .. لم يكن تعذيبا ولكن كان إحماء للهول الذي سيراه لاحقا .. أعوامُ مرت .. وزادت عُزلة مصطفى داخل قوقعته .. قاطعه كل من في السجن، لأنه أعلن أنه مسيحي مُلحد، فاعتبره المعتقلين جاسوسا جاء ليتجسس عليهم وفرضوا عليه العُزلة، ولا أعلم أي جاسوس الذى يتم تعذيبه يوميا معهم لكنها العقول الضيقة.

تعلم مصطفى عدة فنون في المعتقل .. فن التلصص وفن الكتابة دون قلم، كان يُراقب ما يحدث حوله .. يرى ويسمع ويعرف كل ما يصل لإذنه عن حياة المعتقلين، ويدون كل هذا في ذاكرته دون قلم، يحفرها في عقله ويرسخها حتى ما إذا حانت لحظة الحرية – والتي تبدو بعيدة – سكب كل ما في عقله على الورق، ولقد روى مواقفا مفزعة بدقة بالغة، وأسلوب فلسفي بارع لا يخلو من سخرية لاذعة .. يغوص داخل خواص النفس البشرية، حتى تشعر أن ذاتك هي نفسها في الإعتقال معه

بعد عدة محاولات فاشلة توقف مصطفى عن الإعلان أنه “مسيحي”، ذلك أن كل مرة يواجهه وقفا أسوأ من الآخر

ففي يوم أعلن للضابط رئيس النوبة  في المعتقل أنه مسيحي، فما كان من رئيس النوبة إلا أن قال : شو يعني مسيحي، أكيد تمد الإخوان المسلمين بالسلاح، ثم هتف بصوت جهوري لكل من في المهجع، أنت يا أخوان الشياطين، فرجونا شطارتكم .. هاي عندكم واحدس مسيحي، هاي عندكم واحد مسيحي، انشطوا معه، اهدوه للدين الحنيف، بس شاطرين تقتلوا وتخربوا بـ هالبلد !!  ثم قال : ولا تسنوا بعد أن يُسلم أن تضموه لتنظيم الإخوان المسلمين حتى يصير حبسه سليما ودائما.

******

تمر الأيام ..والشهور .. تتغير وجوه اضباط والجنود والتعذيب كما هو ، كل شيء لا يمر إلى من خلال السباب واللعن والكرابيج والدم المسفوح ، الطعام، الحمام، الحلاقة.

في الصيف يصير المعتقل مثل الفرن، وفي الشتاء يصير كالثلاجة، مرض الآلاف ومات الآلاف، إما بالدرن، أو بالجرب، بالإلتهاب السحائي أو بالرصاص أو بأي شيء أخر لعين

يروي مصطفى حدثا داميا أسودا فيقول :
في صباح احد الأيام وقبل إدخال الطعام، فتح الشرطة باب المهجع ودخلوا بطريقة وكأن مائة ثور هائج قد دخل هذا المكان، الصياح، الضرب بالكرابيج، الشتم، وبين شتيمة ولسعة كرباج يصرخون:
–    وجهك عـ الحيط .. وجهك عـ الحيط ..
منذ دخول أول شرطي بهذه الطريقة قفز السجناء وأداروا وجههم إلى الحائط، وقفت لا أدري ما افعل.. صحوت على الكرباج يهوي على خدي ويلتف على رقبتي من الخلف والشرطي يصيح:
–    وجهك عـ الحيط !
أدرت وجهي، تخشبت وسيخ الألم يمتد من وجهي إلى رقبتي، بعدما ما يقرب الخمس دقائق خيم الصمت، ثم صوت احد الشرطة يصيح بصوت عال:
–    انتبــــه .. مكانك تهيأ.
خبط جميع عناصر الشرطة أقدامهم بالأرض، وقدم الصف بصوت اعلى:
–    المهجع جاهز سيدي المقدم.
انه مدير السجن. أخد يتمشى من أول المهجع إلى آخره بين صفين من عناصر الشرطة الواقفين وقفة استعداد عسكرية.
ركبني الفضول وبسلوك عفوي أكثر من أن يكون مقصوداً، نظرت بزاوية عيني خلسة إلى المقدم. رأيته، شاب ثلاثيني أشقر الشعر، مشيته فيها الكثير من التوتر، وكذلك كلامه، يتكلم وكأنه يحادث نفسه بعبارات لم أستطع فهمها أو الربط بينها:
–    أنا.. أنا أتهدد!! .. سأحولها إلى جهنم … شعرة واحدة يروح ألف مجرم مقابلها ..
ثم صاح بصوت شديد الاحتقان:
–    ولا كلاب.. مجرمين.. انتو لسا ما بتعرفوني منيح .. والله لادبحكن دبح الغنم.
بعدها صاح بمجموعة من الشرطة واقفة بينه وبين السجناء:
–    زيحوا هيك ولا..
صوت طلقات مسدس متتابعة، انكمشت على نفسي لدى سماعها وخبأت رأسي أمام صدري، وبسرعة فائقة خرج المقدم يسحب وراءه رتلاً من عناصر الشرطة وأغلق الباب.
أربعة عشر قتيلاً بأربع عشرة طلقة هي كل مايحويها مخزن مسدس المقدم على ما يبدو. ركض الأطباء وبينهم زاهي إلى زاوية المهجع حيث القتلى، فحصوهم جميعاً، الكل ماتوا فوراً، ومكان دخول الرصاصة واحد لدى الجميع في الرأس من الخلف، سحبوهم إلى وسط المهجع، تجمعت بركة من الدماء الطازجة وجلس البعض حولها يبكون، الأغلبية جامدة مذهولة، الأطباء في حالة حيرة لايعرفون ما يفعلون، وقف واحد من فرقة الفدائيين، قال:
–    لاحول ولاقوة الا بالله … انّا لله وإنّا اليه راجعون، عليهم رحمة الله، هم السابقون ونحن اللاحقون، اللهم اسكنهم فسيح جنانك، اللهم هؤلاء شهداء في سبيل إعلاء كلمتك، كلمة الحق، فارحمهم أنت الرحيم الغفور.
سكت قليلاً .. ثم أردف موجهاً حديثه للجميع:
–    يالله يا إخوان .. خلينا نقوم بواجبنا.
انتظروا حتى توقف نزيف الجثث، نقلوها ووضعوها قرب الباب أمامي وأمام رئيس المهجع، بين القتلى الشيخ محمود الذي أنقذ حياتي، صليت عليه سراً، حزنت على الجميع فوجوههم أصبحت مألوفة لي، وكان حزني كبيراً على الشيخ محمود.
نظفوا الأرض من الدماء، كل البطانيات الملوثة بالدماء نظفوها، دار نقاش بين مجموعتين عند رئيس المهجع، مجموعة تقول إنه يجب ان نأخذ جميع ملابسهم، لأن الحي أفضل من الميت، وجماعة تعارض ذلك وترى أن هذا معيب. أخيرا انتصر الرأي القائل بأن الأحياء الباقين بحاجة إلى الملابس، وتكفلت مجموعة خلع الملابس وتنظيفها، خرجت الجثث ليلاً من المهجع وهي عارية لا تلبس إلا السروال الداخلي فقط.
” بعد ثلاث سنوات سيروي احد القادمين الجدد أن السبب في هذه المجزرة هوان التنظيم المسلح قد أرسل تهديداً بالقتل للمقدم إذا لم يحسن من معاملة السجناء الإسلاميين، وجد المقدم هذا التهديد تحت ماسحة زجاج سيارته وهو ذاهب إلى الدوام صباحاً ، فقام بقتل هؤلاء وسرب الخبر ليسمع به التنظيم مصحوباً بتهديد معاكس:
–    مقابل ورقة مكتوبة قتلت أربعة عشر واحداً! إذا مست شعرة من رأسي أو رأس شخص يخصني سيكون المقابل مائة، إذا حصل أذى أو مات احد من أقربائي فإنني لن أبقي على أحد حياً!!.”
ولم يرد بعدها أي تهديد.

******

ومن وقت لآخر يتم تنظيم يوما  لزيادة الجرعة الوطنية ومحاولة إعادة الوعي الوطني للمعتقلين والمارقين .. منذ الصباح يعم ضجيج مكبرات الصوت أرجاء السجن وما حوله تبث الأناشيد الوطنية والأناشيد التي تمجد رئيس الدولة وتسبغ عليه صفات الحكمة والشجاعة وتصفه بأوصاف عديدة، فهو المفدى، القائد العظيم، المعلم، المُلهِم… تذكر أفضاله العميمة على جميع أبناء الشعب ، فلولاه لما بزغت الشمس ،وهو الذي يمنحنا الهواء لنتنفس ، والماء لنشرب …
يعطون واحداً من السجناء ورقة، ومما هو مكتوب عليها يهتف… فيهتف السجين ويهتفون وراءه: بالروح…بالدم سنفدي رئيسنا المحبوب والمعبود !

كان هناك المئات من السجناء الذين يطلبون من إدارات السجون محاقن طبية يسحبون الدم من عروقهم بها ليستعملوه كحبر يكتبون به برقيات شكر أو استرحام لرئيس الجمهورية راجين اطلاق سراحهم من السجن , وعندما كانت ادارات السجون لا تعطيهم المحاقن فإنهم كانوا يجرحون أصابعهم ومن الدم النازف يكتبون برقيات الشكر والاسترحام .

******

مرت شهور وسنين طويلة ، تغيرت فيها ملامحه إثر التعذيب والذل والخوف

فجأة تم استدعائه، وبدأت سلسلة غير مُعتادة من التحقيقات، عرف فيما بعد أن خاله قد اصبح وزيرا، وأنه تدخل للإفراج عنه، طالت إجراءات الإفراج عدة أشهر، تخللها تحقيقات وصفعات وصعق بالكهرباء، عرض عليه المحققون أن يُعيدوه إلى فرنسا في مقابل أن يعمل مخبرا على زملائه .. رفض

لقد تعلم مصطفى قاعدتين أساسيتين في المعتقل

الأولى : مهما تألمت من التعذيب فلا تعترف بشيء لكي تتخلص من الألم ، لأن الأعتراف مهما كان صغيراً سيجعلهم يعرفون أنك قد ضعفت ، لذلك فان كمية التعذيب ستزيد لانتزاع المزيد من الاعترافات بدلاً من أن تنتهي .
الثانية : اذا طلبوا منك أن تتعاون معهم وتصبح مخبراً لديهم مقابل أن يطلقوا سراحك ، فلا تقبل مطلقا ، لأنك إن قبلت تكون قد تورطت ورطة تدوم مدى الحياة ، وهم دائما يكذبون !.

بعد شهور من المحاولات الفاشلة لتجنيده .. أصبح حرا طليقا

*******

تحول مصطفى إلى كائن آخر..شبه بشري.. يختم  ذكرايته الأليمة قائلا :
منذ أن خرجت من السجن أحسست أن هناك هوة لا يمكن ردمها أو جسرها بيني وبين الآخرين ، حتى أقرب الناس إلي ، اخوتي أو لينا، أحك عواطفي ومشاعري فلا أشعر تجاههم بشيء ، الحيادية في المشاعر ، لا شيء يشدني ، لا شيء يثير اهتمامي .
لكل انسان لغة تواصل خاصة به يستخدمها بإقامة العلاقات المتفاوتة في القرب أو البعد عن الناس ، هذه اللغة .. لغتي الخاصة بالتواصل مع الناس ، مفقودة .. ميتة ، والأكثر من ذلك ليست لدي الرغبة بالمطلق في إيجاد لغة تواصل جديدة … أو احياء القديمة .
دائما أشعر أن لهم عالمهم .. ولي عالمي ، أو ليس لديّ عالم أبدا ، لكن قطعا لا أنتمي لعالمهم .
أرتعب من فكرة الاضطرار إلى مخالطة الناس بحكم العمل أو أي شيء آخر ، أريد الابتعاد عنهم أكثر
ما يمكن !! .. الانزواء !.
أريد أن أكون منسيا ومهملا منهم .
اتركوني بسلام فأنا لا أريد منكم شيئا !.

ها قد مضى عام كامل على لحظة خروجي من السجن !.
ينام الإنسان فلا يعود يشعر بشيء مما يدور حوله , تدخل حواسه جميعاً في حالة سبات .
يستيقظ الإنسان فتسيقظ حواسه جميعاً ويصبح مدركاً لما حوله .
لكن بين النوم و اليقظة هناك لحظة , ثانية أو أقل أو أكثر , هذه اللحظة لا هي نوم ولا هي يقظة , لحظة التحول بين الحالتين أو الإنتقال من حالة إلى أخرى .
هذه اللحظة التي تمثل نصف وعي .. أو نصف احساس .. نصف إدراك .
ضمن هذه اللحظة , ضمن المسافة الزمنية التي تستغرقها ” لحظة ” .. لازلت أرى نفسي ” نصف رؤية ” , أحس ” نصف احساس ” .. أنني في السجن الصحراوي !!.
مضى عام كامل ولازلت أرى نفسي عند استيقاظي في السجن الصحراوي .
هل يمكن القول أنني خرجت من السجن قولاً وفعلاً ؟.
لا أعتقد ذلك !.
يومياً .. أمارس نفس الأفعال الآلية و الضرورية لاستمرار الحياة , أكل وأشرب وأنام .. و..
هل سأحمل سجني معي إلى القبر ؟.
في السجن الصحراوي .. شكل خوفي المزدوج قوقعتي التي لبدت فيها محتمياً الخطر !… هنا – ويسميه السجناء عالم الحرية – خوفٌ من نوع أخر , وقرف .. ضجر , اشمئزاز , كلها شكلت قوقعة اضافية أكثر سماكة ومتانة وقتامة !! … لان الأمل بشيء أفضل كان موجوداً في القوقعة الأولى !.
في القوقعة الثانية لا شيء غير …. اللاشيء !.

لتحميل كتاب القوقعة كاملا .. اضغط هنا

 
أضف تعليق

Posted by في 25 سبتمبر 2015 in مما قرأت, سوريا, سياسة

 

الأوسمة: , , , , , ,

عشرة بليونيرات .. صنعوا ثروتهم من التكنولوجيا


10 أشخاص، عدد منهم لم يكمل تعليمه الجامعي، استطاعوا أن يُصبحوا من أقوى الشخصيات قوة وثراءً وتأثيرا في العالم بسبب اقتحامهم مجال التكنولوجيا، لكل منهم امبراطوريته الخاصة التي أسسها على مدى أعوام طويلة بتعبه وصبره، كل منهم قصة نجاح مستقلة ومذهلة، وكتب تحكي قصص كفاحهم، سردنا بعضها في هذه المدونة، والآخر لم يأتي دوره بعد .. لنطالع سريعا من هم هؤلاء العشرة حسب مجلة فوربس الأمريكية ..

1– بيل جيتس – 79.2 بليون دولار

حسب شركة فوربس الأمريكية احتل عرش أغنى أغنياء العالم لمدة تزيد عن 15 عاما، أسس شركة ميركوسوفت عام 1975 مع شريكه بول آلان، وكان السبب الرئيسي وراء نجاح ميكروسوفت الكاسح هو نظام تشغيل ويندوز الذي دخل كل منزل، بيل جيتس الأن مُتفرغ للأنشطة الخيرية باسم جمعيته التي أسسها مع زوجته

2– لاري إليسون – 50 بليون دولار

المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أوراكل، والتي تنتج على نطاق واسع برامج وقواعد بيانات للشركات والبنوك، ولقد اشترت أوراكل في الأعوام الـ 8 الماضية على أكثر من 50 شركة أبرزهم صن وسيبل

3– جيف بيزوس – 47.8 بليون دولار

الرئيس التنفيذي لأشهر مواقع التسوق العالمي من الإنترنت – أمازون دوت كوم، ويُعد سادس موقع على العالم من حيث عدد الزيارات، يزوره يوميا أكثر من 40 مليون شخص

4– مارك زوكيربرج بـ 41.2 بليون دولار

مؤسس شبكة فيسبوك ورئيس الشركة – أشهر شبكات التواصل الإجتماعي وأوسعهم إنتشارا على الإطلاق في العقد الأخير، وقد أسس مارك مفهوما جديدا للتواصل بين الناس واشترى مؤخرا برنامج واتس-آب للتواصل عبر الهاتف المحمول بما يقرب من 8 مليار دولار – وتتوسع فيسبوك يوميا بشكل مطرد ويُشارك مارك حاليا في مشروع يهدف إلى إدخال الإنترنت إلى دول العالم الفقيرة.

5– لاربي بيدج – 33.4 بليون دولار

أحد قطبي شركة جوجل والتي تغيرت مؤخرا لتكون Google Alphabet، ويرأسها مع شريك كفاحه سيرجي برين، وبدأت شركة جوجل نشاطها بمحرك البحث، ثم انطلقت إلى صناعة مئات التطبيقات في شتى المجالات على أجهزة الموبيل والتابلت والنظارات الذكية والسيارات ذاتية القيادة

6– سيرجي برين – 32.8 بليون دولار

القطب الآخر لشركة جوجل – وكانت بدايته مع لاري بيدج بابتكار محرك البحث، ويُعتبر مع شريكه من أكثر الشخصيات نفوذا في العالم على صغر سنهما.

7– جاك ما – 23.2 بليون دولار

الملياردير الصيني الأول – وشهرته “علي بابا” ، ذلك أنه مؤسس Alibaba Group لمجال أعمال الانترنت ومن ضمنها موقع علي بابا الذي يُعد من أضخم مواقع التسوق الإلكتروني في العالم

8– ستيف بالمر – 22.7 بليون دولار

كان الرئيس التنفيذي لميكروسوفت بعد ترك بيل جيتس للمنصب، يعتبر شريك الكفاح لجيتس مع بول آلن في بناء ميكروسوفت، وهو ثاني أكبر مالك لأسهم الشركة أيضا بعد جيتس

9– لارين بويل جوبز – 21.4 بليون دولار

ستيف جوبز مؤسس آبل ليس في هذه القائمة لأنه مات في أكتوبر عام 2011 متأثرا بالسرطان، لكن أرملته لارين ورثت عنه ثروته الطائلة وقد أنجبن من جوبز 3 أبناء، لارين حاليا تملك مؤسسة للأعمال الخيرية والاجتماعية

10– مايكل دل – 19.4 بليون دولار

المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “دل” أكبر مصنع لأجهزة الحاسبات في العالم، بدأ شغفه بالحاسب الآلي من عمر الخامسة عشر، وأسس شركة ديل في عامه العشرين، ويُعد من أغنى 100 شخص في العالم ومن أكثرهم تأثيرا. ألف كتابه بعنوان (مباشرة من ديل : الأستراتيجيات التي أحدثت طفرة في صناعة ما) وقد بدأت طباعته في عام 1999 وصنف ضمن أكثر الكتب مبيعا، وقد حكى في هذا الكتاب قصة شركته والأستراتيجيات التي أبتكرها.

 
 

الأوسمة: , , , , , , ,

أسرار الإطاحة بطنطاوي وعنان


في كتابه الأخير “الجيش والإخوان.. أسرار خلف الستار” للأستاذ مصطفي بكري – الذي أكن له كراهية شديدة بسبب أستطاعته التلون عدة مرات في نفس الوقت – في كتابه الأخير نشر ما حدث في أهم يوم من أيام الرئيس مُرسي وهو يوم الإطاحة بالمشير وسامي عنان من منصبيهما، وإحالتهما للتقاعد، وإنهاء حُكم عسكري كان مقداره ستين سنة، وما نشره في فصل الإطاحة بالمشير وسامي عنان اتفق مع ما قرأته سابقا للأستاذ الكبير فهمي هويدي، ومعلوم أن الأستاذ فهمي هويدي يتمتع بمصداقية عالية لدى القارئ العربي لأنه لا يكتب حرفا إلا إذا كان واثقا من حقيقته، فما هي القصة الحقيقية وراء قرار الكتور محمد مرسى بإقالة المشير طنطاوى والفريق سامى عنان؟

**************************

الثانى عشر من أغسطس 2012

كان كل شىء يمضى طبيعياً فى القصر الجمهورى، لم يكن هناك شىء مختلف يلفت الانتباه.

فى هذا اليوم نشرت مواقع التواصل الاجتماعى تصريحاً للدكتور «ياسر على» المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية قال فيه: «إن الحد الأقصى لإعلان اسم نائب واحد لرئيس الجمهورية على الأقل هو مطلع الشهر المقبل وفقاً للإعلان الدستورى».

وفى اليوم ذاته عقد الرئيس محمد مرسى بحضور رئيس الوزراء وعدد من الوزراء اجتماعاً مع المحافظين، تم خلاله مناقشة العديد من القضايا والمشكلات، خصوصاً أزمة الكهرباء وتحديد مواعيد قطعها فى بعض المناطق للتخفيف من حدة الضغط على المحطات، بعد أن تفاقمت المشكلة إلى حد كبير وباتت تهدد استقرار البلاد.

لاحظ المتابعون للاجتماع أن هناك تعمداً لإطالة فترة الاجتماع، الذى استمر لنحو خمس ساعات تقريباً، مع أن القضايا الرئيسية تمت مناقشتها فى وقت قصير.

كان الرئيس يخرج ثم يعود مطالباً المجتمعين بالاستمرار فى مناقشة المشكلات التى يعانيها المواطنون مع رئيس الحكومة والوزراء المعنيين.

فى الوقت نفسه كان المشير طنطاوى قد دعا أيضاً إلى اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة فى الحادية عشرة صباحاً، وذلك لمناقشة آخر تطورات الأوضاع فى سيناء فى ضوء التحقيقات والعمليات العسكرية التى تجرى فى المناطق المختلفة.

حضر غالبية أعضاء المجلس الأعلى، وإن كان البعض قد تخلف عن الحضور، وكان من أبرز الذين لم يحضروا هذا الاجتماع الفريق «مهاب مميش» قائد القوات البحرية، الذى لم يتمكن من الحضور بسبب وجود أعطال ومعوقات فى الطريق من الإسكندرية إلى القاهرة، ففضل الذهاب إلى منزله بالقاهرة، وأبلغ اعتذاره للأمين العام لوزارة الدفاع لإبلاغ المشير.

وكان اللواء «عبدالفتاح السيسى» (عضو المجلس الأعلى، مدير المخابرات الحربية والاستطلاع) حاضراً هذا الاجتماع وظل موجوداً حتى الثانية ظهراً.. كانت الأعصاب مشدودة بسبب ممارسات ومواقف الرئيس، وأيضاً تداعيات حادث رفح ورفض الرئيس الإعلان عن النتائج الأولية للتحقيقات فى هذا الحادث.

منذ البداية تحدث اللواء «حسن الروينى» (عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة) مبدياً اعتراضه على قرار الرئيس مرسى بمنع أعضاء المجلس ممن هم فوق سن الخدمة من حضور اجتماع المجلس الأعلى مع الرئيس مساء الجمعة 9 من أغسطس 2012.

قال «الروينى»: إن الإعلان الدستورى المكمل يعطى رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحده سلطة القرار، وما جرى هو تجاوز لذلك!

لم يكن اللواء الروينى وحده صاحب وجهة النظر تلك، كان هناك آخرون قد أبدوا اعتراضهم على قرار الرئيس ووجهوا اللوم إلى المشير طنطاوى لاستجابته لهذا القرار.

حاول البعض أن يحذر المشير من خطورة المرحلة المقبلة، إلا أن المشير كان يستمع إلى هذه الآراء فى صمت، ثم حاول أن يهدئ من مشاعر الغضب، مؤكداً أن هذا الأمر لن يتكرر مرة أخرى، وأنه وافق على مطلب الرئيس، لأنه لم يُرِد أن يخلق أزمة بين المجلس العسكرى ورئيس الجمهورية.

«ياسر على» طالب الإعلاميين بالانصراف من «الاتحادية» فوراً.. وأبقى على طاقم الفنيين بالتليفزيون المصرى كانت الأجواء تنذر بحدث ما، وكانت كل المؤشرات تقول إن تهديدات الإخوان بإصدار إعلان دستورى جديد يلغى الإعلان الدستورى المكمل، هى تهديدات جادة، وإن الرئيس يتبنى هذا الموقف، وهو أمر حتماً سيقود إلى الصدام.

بعد جدل طويل حول مواقف الرئيس من الإعلان الدستورى المكمل، والمخاوف من تردى الأوضاع والعلاقة ما بين المجلس العسكرى ورئيس الدولة.. انتقل الاجتماع إلى القضية التى كانت تشغل الجميع فى هذا الوقت، وهى قضية الحملة العسكرية على أوكار الإرهابيين فى سيناء وآخر نتائج التحقيقات التى تجريها النيابة العسكرية حول حادث رفح.. لقد طالب أعضاء المجلس العسكرى فى هذا الاجتماع بضرورة إعلان الحقائق كاملة على الشعب، خصوصاً أن المؤشرات الأولية تؤكد مشاركة عناصر «فلسطينية» تنتمى إلى تنظيمات متشددة فى ارتكاب هذا الحادث جنباً إلى جنب مع العناصر الأصولية التكفيرية الموجودة فى منطقة «جبل الحلال» و«المهدية» داخل سيناء.

لقد تساءل البعض عن أسباب رفض الرئيس إعلان نتائج التحقيقات، وطالبوا المشير بضرورة إعلان نتائج هذه التحقيقات حتى تبرئ القوات المسلحة ساحتها أمام الشعب وأمام التاريخ.

وعد المشير بطرح الأمر على الرئيس مجدداً، وقال إن اللواء عبدالفتاح السيسى طلب ذلك من الرئيس مرسى وحذر من خطورة التكتم على نتائج التحقيقات، لا سيما بعد إعلان القوات المسلحة فى وقت لاحق أنها ستعقد مؤتمراً صحفياً للإعلان عن هذه النتائج.

فى الثانية ظهراً انتهى اجتماع المشير مع أعضاء المجلس الأعلى، رن جرس الهاتف.. كان المتصل على الجانب الآخر هو الرئيس محمد مرسى.

– قال الرئيس: علمت أنكم كنتم فى اجتماع للمجلس العسكرى، هل هناك جديد عن الوضع فى سيناء؟

– أجاب المشير: نحن نتابع الأمر، والتحقيقات كشفت عن تورط جهات عديدة داخل قطاع غزة بالاشتراك مع بعض عناصر المنظمات التكفيرية فى سيناء، ونحن جاهزون لإعلان الحقائق التى تم التوصل إليها.

– قال الرئيس: هذا موضوع سنناقشه معاً فيما بعد.. ما يهمنى الآن أن رئيس الحكومة أبلغنى أنه يحتاج إلى مليار ونصف المليار دولار فوراً لإنهاء مشكلة قطع الكهرباء، وبعض الاحتياجات الخاصة بالمواد البترولية.. أرجو توفير هذا المبلغ وبشكل عاجل من ميزانية القوات المسلحة.

– قال المشير: هذا أمر صعب.. لقد سبق أن منحنا الحكومة أكثر من 7 مليارات دولار قبل ذلك لدعم الاحتياطى الاستراتيجى من العملة الأجنبية، بل قمنا أيضاً بدفع مبالغ أخرى إليها.

– قال الرئيس: لكن الحكومة تحتاج هذا المبلغ فوراً.. عموماً أرجو أن تحضر إلى الرئاسة لمناقشة كيفية تدبير هذا المبلغ، وأرجو أن يحضر معك الفريق سامى عنان واللواء «محمود نصر» (المسئول عن الشئون المالية بالمجلس الأعلى)، لنصل إلى حل يرضى كل الأطراف، وياريت اللواء محمود نصر يجيب معاه أبواب الميزانية الخاصة بالقوات المسلحة.

– قال المشير: متى نحضر؟

– الرئيس: موعدكم الساعة الثالثة والربع عصراً.

كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أنهى اجتماعه للتو، طلب المشير اللواء محمود نصر للحضور إلى مكتبه، حيث يوجد مكتب اللواء محمود نصر بالقرب من مكتب المشير فى الدور الثانى فى مبنى وزارة الدفاع.

واللواء محمود نصر، هو من العقليات الاقتصادية المتميزة، لديه عمق فى الفهم والرؤية الاقتصادية يتعدى الكثيرين من خبراء الاقتصاد، وكان هو أيضاً من أبرز الداعين لاستقالة أعضاء المجلس العسكرى بعد تسلم الرئيس للسلطة على الفور.

أبلغ المشير طنطاوى اللواء محمود نصر بمطلب الرئيس مرسى، فقال اللواء محمود نصر: ولكن هذا المبلغ غير متوافر الآن، وقطعاً لا يمكن كسر الوديعة الدولارية للقوات المسلحة، التى هى مخصصة لمواجهة أى طارئ أو احتمالية قطع المعونة الأمريكية عن مصر.

– قال المشير: ليس أمامنا خيار.

فهم اللواء محمود نصر الرسالة، وذهب على الفور إلى مكتبه لإعداد الأوراق المطلوبة عن موازنة القوات المسلحة، وعندما أبلغ المشير الفريق سامى عنان باللقاء مع الرئيس تساءل الفريق: وما علاقتى أنا بالأمور المالية لكى أحضر هذا اللقاء؟!

– قال المشير: الرئيس كان مُصرّاً على حضورك.

لم يكن أمام رئيس الأركان من خيار آخر، فأبدى موافقته على الحضور جنباً إلى جنب مع المشير واللواء محمود نصر.
مرسى يسلم طنطاوى قلادة النيل قبل ساعات من إقالته
مضى الركب قبل الموعد المحدد بقليل، كان قائد الحرس الجمهورى اللواء «محمد زكى» فى الانتظار، طاقم الحراسة المكلف بحراسة المشير ورئيس الأركان بقى فى مكانه المعتاد، بينما اصطحب قائد الحرس الجمهورى كلاً من المشير ورئيس الأركان واللواء محمود نصر إلى صالون كبار الزوار فى الدور الأول من مبنى القصر الجمهورى بـ«الاتحادية».

قبل هذا الموعد بقليل أبلغ د. ياسر على «المتحدث باسم رئاسة الجمهورية» جميع الصحفيين والإعلاميين المعتمدين بالرئاسة أن جدول أعمال الرئيس قد انتهى بانتهاء اجتماعه بالمحافظين، وأن عليهم الانصراف من مقر الرئاسة على الفور.

فى هذا الوقت أيضاً جرى الاتصال باللواء عبدالفتاح السيسى مدير المخابرات الحربية والاستطلاع للحضور بشكل عاجل إلى مقر رئاسة الجمهورية، كان الاتصال قد جرى باللواء السيسى بواسطة مدير مكتب رئيس الجمهورية بعد وصول المشير طنطاوى والفريق سامى عنان مباشرة.

وقد قيل له فى هذا الوقت إن اللقاء يستهدف مناقشة آخر نتائج التحقيقات فى حادث رفح، وإن الرئيس يريد أن يجتمع باللواء السيسى فى حضور المشير طنطاوى ورئيس الأركان سامى عنان.

ولم يكن الأمر غريباً بالنسبة للواء عبدالفتاح السيسى، فهو كان يتردد كثيراً على مقر رئاسة الجمهورية منذ حادث رفح تحديداً بوصفه المسئول عن حلقة الصلة بين المجلس العسكرى ورئاسة الجمهورية.

على الفور وصل اللواء السيسى إلى مقر رئاسة الجمهورية، استقبله قائد الحرس، وكانت التعليمات إليه أن يجلسه فى غرفة خاصة بعيداً عن صالون الاستقبال الذى يجلس فيه المشير طنطاوى والفريق سامى عنان واللواء محمود نصر.

لم يكن قائد الحرس الجمهورى يعلم عن الأمر شيئاً، كان الأمر فقط مقصوراً على عدد محدود من المقربين من الرئيس مرسى، انتظر اللواء السيسى فى الغرفة المحددة بالدور الأول فى قصر الاتحادية، قيل له إن الاجتماع مع الرئيس سوف يبدأ بعد قليل.

كانت التعليمات تقضى بعدم حدوث أى لقاء أو اتصال بين اللواء السيسى والمشير طنطاوى فى هذا الوقت، ولذلك ظل برفقته د. ياسر على المتحدث باسم الرئيس تارة، ود. أحمد عبدالعاطى مدير مكتب الرئيس تارة أخرى.

كانت الرئاسة قد طلبت من جميع الصحفيين والإعلاميين الانصراف لعدم وجود أية مقابلات أخرى للرئيس فى قصر الاتحادية، بينما جرى التنبيه على طاقم الفنيين فى التليفزيون المصرى الانتظار دون أن يشعر الآخرون.

بعد قليل حضر قائد الحرس الجمهورى ليخطر المشير ومن معه بدعوتهم إلى صلاة العصر خلف الرئيس، وبالفعل اصطحبهم قائد الحرس إلى المسجد الموجود داخل حرم قصر الاتحادية، وخلال اصطحابهم إلى المسجد قال لهم قائد الحرس إن اللواء عبدالفتاح السيسى حضر إلى القصر، وهنا بادره الفريق سامى عنان بالقول: طيب خليه يحضر للصلاة معنا.

لم يتبادر إلى ذهن الفريق أو المشير فى هذا الوقت أى شك فى هذا الأمر، لقد كان الاعتقاد السائد أن اللواء السيسى حضر لمتابعة ملف رفح مع كبار المسئولين برئاسة الجمهورية كما هى العادة.

تولى الرئيس إمامة المصلين لصلاة العصر، وبعد انتهاء الصلاة قام بمصافحة بعض الحاضرين داخل المسجد، ومن بينهم المشير والفريق سامى عنان واللواء محمود نصر، ولوحظ عدم حضور اللواء السيسى للصلاة، ويبدو أن أحداً لم يخطره بذلك، بل بقى فى غرفته ومعه د. ياسر على حتى لا يلتقى مع المشير وجهاً لوجه.

لم يكن هناك أى إجراءات غير عادية، بل حتى الموبايلات ظلت فى حوزة أصحابها دون أن يطلب أحد منهم تسليمها لأمن الرئاسة أو غير ذلك.

عندما وصل المشير ومرافقوه بعد أداء صلاة العصر إلى الصالون الأرضى مجدداً، اصطحبهم قائد الحرس الجمهورى إلى الصالون العلوى الملحق بمكتب الرئيس وأبلغهم أن الرئيس سوف يحضر إليهم بعد قليل.

فى هذا الوقت، مضى الرئيس إلى حيث يجلس اللواء عبدالفتاح السيسى، قال له إن المشير قدم استقالته من منصبه، وإنه أبلغه بترشيحه وزيراً للدفاع ليحل محله، وطلب منه أن يظل الأمر سراً، حتى لا يسمع به الفريق سامى عنان أو الآخرون، وأنه أيضاً رشح له اللواء صدقى صبحى قائد الجيش الثالث لتولى موقع رئيس الأركان بدلاً من الفريق سامى عنان، وكذلك تغيير قادة البحرية والدفاع الجوى والقوات الجوية وسيحل محلهم رؤساء أركان هذه الأفرع.

لم يفاجأ اللواء السيسى بترشيح المشير له، فقد كان يعرف ذلك منذ وقت ليس بالقصير، لكنه أبدى دهشته من الطريقة، خصوصاً أن المشير لم يفاتحه فى الأمر، رغم لقائه معه منذ قليل.

قال الرئيس لـ«السيسى»: استعد لأداء اليمين الدستورية بعد قليل، وبعدها سوف ألتقيك مرة أخرى بحضور المشير طنطاوى بعيداً عن الفريق سامى عنان، والذى قطعاً أنت تعرف أنه كان يأمل أن يكون وزيراً للدفاع، إلا أن المشير اختارك أنت، وأنت تعرف مدى تقديرى للمشير واحترامى لمواقفه وإخلاصه، والحقيقة أن ترشيحه لك هو خير دليل على ذلك الإخلاص لمصر وللقوات المسلحة، فأنت من خيرة العناصر، كما أننا جميعاً فى حاجة إلى دماء جديدة تلقى قبولاً داخل الجيش، وأنت تعرف أن المشير حاول الاستقالة أكثر من مرة، وعندما وجدته مُصراً هذه المرة وافقت على ذلك، لا سيما بعد أن رشحك لتحل محله، وقال له إن اللواء «العصار» يعلم بكل هذه التطورات وهو من أشد المؤيدين لترشيحك وإننى لهذا قررت إعادة تعيينه مساعداً وحيداً لوزير الدفاع، وإبعاد كل من تجاوز سن الستين من أعضاء المجلس العسكرى، بحيث يعود المجلس إلى وضعه الطبيعى.

لم يكن لدى اللواء السيسى أية معلومات عن الدور الذى لعبه اللواء «العصار» فى ترشيحه هو والآخرين لرئيس الجمهورية ليحلوا محل القيادات الحالية، لكن اللواء «العصار» كان معروفاً أنه منفتح على الجميع، وكانت له اتصالات بكافة القوى، التيارات الشبابية والقوى الليبرالية والتيارات السلفية وجماعة الإخوان المسلمين، وربما يكون بالفعل قد استشير فى مسألة الترشيحات للقيادات العسكرية الجديدة كما تردد فى هذا الوقت.

فى الدور الأول، كان كل شىء قد تم إعداده، مدير المراسم قدم للواء السيسى ورقة تحوى صيغة القسم، وكان هناك أيضاً المستشار محمود مكى ورئيس الوزراء د. هشام قنديل.

كان المستشار مكى على علم بقرار تعيينه نائباً للرئيس، تقدم لأداء القسم، ومن بعده تقدم اللواء السيسى وبعدها التقى الرئيس باللواء السيسى الذى تمت ترقيته إلى رتبة الفريق أول، وبعد لقاء قصير بينه وبين الرئيس طلب منه رئيس الجمهورية الانصراف إلى مكتبه بالمخابرات الحربية لإدارة الأمور داخل وزارة الدفاع لحين قيام المشير والفريق عنان بلملمة أوراقهما من الوزارة.

كان الرئيس لا يريد حدوث لقاء مباشر بين الفريق أول السيسى وبين المشير حتى تمضى الأمور بهدوء وتستقر الأوضاع.

مدير مكتب الرئيس اتصل بـ«السيسى» وطلب منه الحضور بشكل عاجل بحجة مناقشة نتائج تحقيقات حادث رفح انصرف الفريق أول عبدالفتاح السيسى، ولم يكن يعلم حتى هذا الوقت شيئاً سوى ما أبلغه به رئيس الجمهورية، وكان على يقين من أن أمر ترشيحه تم بالتفاهم مع المشير.

مضى من الوقت ثلث ساعة بعد الوقت المحدد سلفاً لمقابلة الرئيس فى الثالثة والربع بعد عصر اليوم، تساءل المشير: هو إيه الحكاية بالضبط؟

قال الفريق عنان: من المؤكد أن الرئيس انشغل بأمر ما.

بدأ القلق يتسرب إلى الفريق سامى عنان، ظن الرجل لبعض الوقت أن هناك احتمالاً لوجود موقف ما، كان وجود اللواء السيسى فى هذا الوقت مدعاة للتساؤل.

لم يحاول الفريق أن يناقش الأمر، لكنه أدرك أن شيئاً ما يجرى الترتيب له من خلف ستار.

كان هناك من يشير للفريق سامى عنان بأنه ربما يكون المرشح الأكثر حظاً لتولى منصب نائب رئيس الجمهورية، بعد انتخاب الرئيس محمد مرسى، لقد وصلته إشارات ومعلومات من بعض المقربين إلى الرئيس بذلك، لكن الفريق عنان كان يقول دوماً: يكفينى أننى أديت دورى بأمانة وإخلاص طيلة تاريخى العسكرى، كان يدرك بالقطع أنه لن يكون وزير «الدفاع» المقبل، فالقرار الذى اتخذ فى شهر مايو يسرى على الجميع ممن هو فوق السن القانونية.

بعد قليل دخل إلى الصالون رئيس الوزراء د. هشام قنديل، صافح المشير ومن معه، وبعده بقليل جاء المستشار محمود مكى، ولاحظ الحاضرون أن أحد المسئولين عن المراسم جاء فى صحبته، وقال له: اتفضل يا سيادة النائب.

كان الخبر غريباً على الجميع، لم يكن أحد يعلم حتى وقت قليل مضى أن المستشار محمود مكى قد أسند إليه منصب نائب الرئيس.

لم يعلق أى من الحاضرين على الأمر، غير أنهم أدركوا أن هناك شيئاً ما قد حدث.

بعد ذلك مباشرة حضر الرئيس محمد مرسى، صافح الحاضرين، وبدأ على الفور سؤال اللواء محمود نصر (عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة للشئون المالية والاقتصادية).

– الرئيس: هل دبرت المبلغ المطلوب يا سيادة اللواء؟

– محمود نصر: أنا جبت ملخص لأبواب الموازنة العامة للجيش بما فيها الاحتياطى.

طلب الرئيس الاطلاع على الموازنة الخاصة بالجيش، وراح يستعرض الأوراق، ويتساءل عن بعض الأرقام، استمر الحديث حول هذا الأمر لمدة سبع دقائق تقريباً، وبعدها قال: أرجو تدبير المليار ونصف المليار دولار فوراً من أى بند من البنود.
أفراد من الجيش أثناء تشيع جثامين شهداء رفح (صورة ارشيفية)
نظر اللواء محمود نصر للمشير منتظراً التعليمات، فقال له المشير: رغم صعوبة ذلك، لكن حاول تتصرف.

كان التوتر بادياً على الرئيس بعض الشىء، نظر إلى المشير طنطاوى وإلى رئيس الأركان سامى عنان وقال: أنت تعرف تقديرى لك يا سيادة المشير، وأنت كذلك يا سيادة الفريق سامى، وتعرفان أيضاً أننا فى مرحلة جديدة، وأنا كرئيس جمهورية أقدر الدور الذى قمتما به وكذلك دور المجلس العسكرى فى الثورة وتحقيق الاستقرار وإجراء انتخابات نزيهة فى البلاد.

وأنا أشهد أنكم جميعاً أديتم دوركم بكل أمانة وإخلاص، وأعرف أيضاً أنك لم تكن راغباً فى الاستمرار يا سيادة المشير، ولذلك أبلغكما اليوم بأن دوركما انتهى عند هذا الحد، لأن لكل مرحلة رجالها، ومن حقى كرئيس منتخب للجمهورية أن أختار أناساً لا يقلون وطنية عنكم لقيادة الجيش فى هذه المرحلة الصعبة خصوصاً بعد حادث رفح وتداعيات هذا الحادث.

أصيب المشير ورئيس الأركان بحالة من الصدمة والذهول، لم يصدقا ما سمعاه منذ قليل، لقد أدركا الآن أن الرئيس قد أعد لهما «فخاً» وأنهما تعرضا للخديعة.

– بادر المشير طنطاوى بالرد على الرئيس بالقول: ولكن، هناك إعلان دستورى مكمل يمنع عزل أى من قيادات الجيش.

– رد عليه الرئيس على الفور وقال: لقد ألغيت هذا الإعلان الدستورى المكمل أمس، ونشر فى الجريدة الرسمية، وانتهى الأمر.

– قال المشير: ولكن ذلك غير دستورى.

– رد الرئيس بالقول: أنا رئيس الجمهورية، والقائد الأعلى للقوات المسلحة ولدى جميع الصلاحيات، ثم إن إلغائى الإعلان الدستورى جاء تلبية لرغبة الشعب المحتشد فى الميادين، وأيضاً إعمالاً لسلطات رئيس الجمهورية.

– قال المشير: ولكن سلطة التشريع هى فى يد المجلس العسكرى لحين انتخاب مجلس الشعب، وأنا أرى أن هذا القرار يمثل إهانة، لقد طلبت الخروج قبل ذلك بعد تسلمك السلطة ولكنك رفضت ذلك وطالبتنا بالاستمرار لحين وضع الدستور.

– قال الرئيس: هناك متغيرات طرأت، والموضوع حُسم، وقد ألغيت الإعلان الدستورى المكمل، وأصدرت قراراً بتعيينك أنت والفريق سامى عنان مستشارين عسكريين لى، وسيكون لكما مكتبان فى القصر الجمهورى، كما أننى قررت منحك قلادة النيل يا سيادة المشير وأنت وسام الجمهورية يا سيادة الفريق سامى، ولا إيه رأيك؟

قال الفريق سامى عنان وقد أخذته الدهشة: نحن أدينا رسالتنا بشرف وكرامة، ولم نكن طامعين فى سلطة، وتحملنا جميع المخاطر عند وقوفنا مع الثورة، ولذلك إذا كان هناك مصلحة عامة من وراء هذا القرار فنحن ليس لدينا اعتراض، ولكن هناك إعلاناً دستورياً مكملاً، لا يعطيك الحق فى عزلنا بهذه الطريقة.

هنا تدخل المستشار محمود مكى الذى كان قد عُين منذ قليل نائباً لرئيس الجمهورية وقال: من الناحية الدستورية والقانونية يحق لرئيس الجمهورية إلغاء هذا الإعلان المكمل، الذى نعرف أنه جاء فى ظروف غير طبيعية، كما أنه لم يجر الاستفتاء عليه ولم ينل الرضا الشعبى.

أدرك المشير طنطاوى أن الأمر قد حُسم، لم يكن أمامه من خيار آخر، الرجل لم يكن طامعاً فى السلطة، وكان دوماً يعلن أنه ينتظر تسليم السلطة إلى الرئيس المنتخب وبعدها سيقدم استقالته، تخوف من أن تكون معارضته سبباً فى حدوث انشقاق داخل الجيش يمتد إلى حريق يطال الوطن، وهو الذى حاول تفادى ذلك طيلة الفترة الانتقالية.

وقبيل أن يغادر المشير ومن معه القصر الجمهورى قال اللواء محمود نصر موجهاً حديثه للرئيس: وأنا أيضاً أتقدم باستقالتى يا سيادة الرئيس.

كان د. محمد مرسى يعرف جيداً القدرات التى يتمتع بها اللواء محمود نصر، ولذلك بادر على الفور: لا أنا محتاجك معانا يا سيادة اللواء.

ودّع الرئيس المشير ورئيس الأركان واللواء محمود نصر، ركب المشير ورئيس الأركان فى سيارة واحدة، كان الذهول يسيطر عليهما، لم يصدقا ما حدث، وما إن ركبا السيارة حتى طلب المشير من السائق تشغيل الراديو.

وبالفعل بعد دقائق معدودة، كان د. ياسر على «المتحدث باسم رئيس الجمهورية» يعلن بيان الاطاحة بالمشير وعنان.

كانت تلك هى المرة الأولى التى يستمع فيها المشير طنطاوى والفريق سامى عنان إلى قرار تعيين الفريق أول عبدالفتاح السيسى فى منصب وزير الدفاع والفريق صدقى صبحى فى منصب رئيس الأركان.

– أحدث قرار اختيار السيسى وصدقى حالة من الطمأنينة لدى المشير طنطاوى والفريق سامى عنان، خفف من وقع الصدمة، ولكنهما ظلا يشعران بالإهانة التى سببها لهما القرار المفاجئ.

اقترب الركب من مبنى وزارة الدفاع، كان الفريق أول السيسى قد انصرف على الفور بعد أداء القسم، مضى وزير الدفاع الجديد إلى مبنى المخابرات الحربية، حيث ظل يدير الوزارة من هناك لفترة من الوقت.

وعندما وصل المشير ورئيس الأركان إلى مبنى الوزارة التف حولهما القادة والضباط الذين سمعوا بالخبر من شاشة التليفزيون، وتساءل البعض عما إذا كان سيعقد اجتماعاً للمجلس العسكرى لتدارس الأمر، إلا أن المشير قال لهم: «لقد انتهى الأمر، والفريق أول السيسى ابنى والفريق صدقى صبحى ابنى، وأنا الذى رشحتهما، وعلينا أن نتجاوز الحدث، المهم هو الجيش وسلامته، وأنا آمن على الجيش تحت قيادة الفريق أول السيسى» بعدها أغلق المشير باب مكتبه وراح يلملم أوراقه بمساعدة مدير مكتبه اللواء يسرى زكى، وكذلك فعل الفريق سامى عنان.

كان الفريق مهاب مميش نائماً فى منزله فى هذا الوقت، رن جرس الهاتف، وكان على الجانب الآخر أحد مساعديه:

– قال له: هل سمعت بالخبر؟

تساءل الفريق مميش: خبر إيه؟

– قال له: لقد تم الإعلان منذ قليل فى التليفزيون عن إعفائك من منصبك وتوليك منصب رئيس هيئة قناة السويس، وبدأ يسرد عليه بقية القرارات الأخرى.

– قال الفريق مميش: الحمد لله على كل شىء.

وما حدث مع الفريق مميش الذى عين رئيساً لهيئة قناة السويس، هو ذاته الذى حدث مع الفريق عبدالعزيز سيف الدين «قائد قوات الدفاع الجوى» الذى عين رئيساً للهيئة العربية للتصنيع، وأيضاً اللواء رضا حافظ «قائد القوات الجوية» الذى عين وزيراً للدولة للإنتاج الحربى.

كان الخبر صادماً للكثيرين، لم يتوقع الناس أن يحسم الرئيس الأمر بكل هذه السهولة، غير أن هناك من كان يرى أن القرار هو تحصيل حاصل، وأن المشير ورئيس الأركان كانا يرغبان فى مغادرة الساحة فى أقرب وقت ممكن، وأنه ربما لهذا السبب قبلا بهذا الوضع، وكان بإمكانهما قلب المائدة على الرئيس!

فى مساء اليوم ذاته كان الرئيس مرسى على موعد مع حشد من الأئمة والدعاة لحضور الاحتفال بليلة القدر، وقد ألقى الرئيس خطاباً فى هذا الاحتفال تناول فيه التغييرات التى أجراها عصر اليوم ذاته لعدد من القيادات العسكرية الكبرى، حيث قال: «ما اتخذته اليوم من قرارات لم أوجهه أبداً لأشخاص أو لإحراج مؤسسات»، وأضاف: «لابد من الوفاء لمن كانوا أوفياء» وأنا قصدت مصلحة الأمة ومصلحة الشعب».

فى هذا الوقت ثار جدل كبير فى الشارع حول ما إذا كان ما جرى قد تم بالتفاهم بين المؤسسة العسكرية والسلطة، أم تم عن طريق الخديعة كما حدث فى سيناريو عزل المشير أبوغزالة عندما استدعاه مبارك وقال له: ارتد ملابسك المدنية وتعال صباحاً لأننا سنغادر إلى الأردن، وعندما وصل إلى هناك وجد نفسه يؤدى القسم مساعداً لرئيس الجمهورية، بينما جىء باللواء يوسف صبرى أبوطالب محافظ القاهرة السابق لتولى منصب وزير الدفاع دون علم المشير أبوغزالة!

لقد قال المتحدث باسم رئاسة الجمهورية د. ياسر على: «إن قرار الرئيس بالتغيير تم بالمشاورة والتفاهم مع الأطراف المعنية»، وهو ما أكده اللواء محمد العصار «عضو المجلس العسكرى، مساعد وزير الدفاع».

أما المستشار القانونى للرئيس محمد فؤاد جاد الله فقد قال بعد مرور حوالى 12 ساعة من الحدث: «إن الرئيس اتخذ القرار بنفسه ودون الرجوع لأحد، وأن القادة المحالين لم يعرفوا به إلا بعد إصداره».

لقد توقف المراقبون أمام التصريح الذى أدلت به المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية الذى قالت فيه: «إن واشنطن كانت على علم بوجود مشاورات حول تغييرات بقادة الجيش فى مصر، وما حدث كان تشاورياً وليس انقلاباً».

كانت كل المؤشرات فى هذا الوقت تشير إلى أن هناك طرفاً ما أبلغ الإدارة الأمريكية بوقائع «خديعة الثانى عشر من أغسطس». كانت الاتهامات فى البداية محصورة فى احتمالية قيام أمير قطر بهذا الدور، وخصوصاً أنه التقى الرئيس مرسى على مدى ساعتين ونصف الساعة من الخامسة إلى السابعة والنصف مساء السبت 11 أغسطس، أى قبيل قرار الإقالة بساعات قليلة، وأنه غادر القاهرة فى مساء السبت نفسه يوم الزيارة.

غير أن المعلومات أكدت أنه لم يكن هو الذى أبلغ واشنطن ذلك، وإنما من تولى إبلاغ الإدارة الأمريكية بما سيجرى فى اليوم التالى كان هو د. عصام العريان الذى كان مسئولاً حتى هذا الوقت عن ملف العلاقات الخارجية، وكان أيضاً نائباً لرئيس حزب الحرية والعدالة ومن أكثر المقربين إلى الرئيس محمد مرسى، الذى كان وراء ترشيحه لرئاسة حزب الحرية والعدالة، إلا أن خيرت الشاطر رشح د. سعد الكتاتنى الذى فاز بالمنصب من الجولة الأولى.

كان د.عصام العريان يتردد فى سرية تامة على قصر الرئاسة خلال الفترة التى تلت حادث رفح، وكان يجلس منفرداً مع الرئيس، وكانت الشائعات تقول إنه ربما يكون مرشحاً لمنصب نائب الرئيس أو مساعده لشئون العلاقات الخارجية فى هذا الوقت.

لقد تولى بنفسه إبلاغ واشنطن بأن الرئيس قد اتخذ قراره بإجراء تغييرات فى القيادات العسكرية، وأن الأمر يتم بالتشاور مع بعض أعضاء المجلس العسكرى بهدف تولى الرئيس كامل سلطاته وإنهاء تقاسم السلطة فى البلاد، كما كانت جماعة الإخوان تردد فى هذا الوقت.

قائد الحرس الجمهورى استقبل «السيسى».. وكانت التعليمات بأن يجلس فى غرفة بعيدة عن الصالون الذى يجلس به المشير وعنان لم يكن الأمر غريباً على الدكتور العريان، فعلاقته بالأمريكيين تعود إلى فترة بعيدة، إذ سبق له أن تولى ملف الحوار مع القادة المسئولين بالإدارة الأمريكية فى فترات سابقة، كما أنه عقد فى يوم الجمعة 8 من نوفمبر 2011 اجتماعاً مهماً بمقر حزب الحرية والعدالة مع «وليام تايلور» مسئول ملف نقل السلطات فى الشرق الأوسط دار فيه حوار حول انتخابات مجلس الشعب، ومطالب الإخوان من هذه الانتخابات.

كما تطرق الحوار إلى تعهدات جماعة الإخوان للإدارة الأمريكية فيما يخص احترامها لاتفاقية السلام مع إسرائيل وغيرها من المطالب.

باختصار، كانت علاقة عصام العريان بالأمريكيين قوية ووثيقة وترجع إلى سنوات سابقة، وربما كشفت زيارة العريان للولايات المتحدة فى شهر نوفمبر 2012 برفقة عصام الحداد «مساعد رئيس الجمهورية للعلاقات الخارجية فيما بعد» وما أعقبها من تصريحات عن حق اللاجئين اليهود المصريين فى العودة إلى مصر عن الكثير من هذه الحقائق.

أدرك الرئيس مرسى أن الأمريكيين ليسوا ضد تغيير القيادات العسكرية، لقد استمع إلى هذا الكلام قبل ذلك من وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلارى كلينتون خلال لقائه بها فى 14 من يوليو 2012، إلا أن التأكيدات الجديدة التى أبلغها إليه د.عصام العريان حسمت كل شىء.

أما عن الموقف الإسرائيلى من هذه التغييرات، فقد أشار الموقع الإلكترونى للقناة العاشرة الإسرائيلية إلى أن سلسلة الإقالات وتغيير القادة المدهش، الذى قام به رئيس مصر، محمد مرسى فى قيادات الجيش، أدهش تماماً الحكومة الإسرائيلية.

وقد أكد موقع القناة الإسرائيلية أن إسرائيل فوجئت تماماً بهذه التعيينات، وأن ثمة أحداً فى إسرائيل لم يتوقع أن تؤدى الأحداث الإرهابية فى سيناء إلى إجراء كهذا.

وأشار الموقع إلى أن الرئيس مرسى كان يخطط لهذه الخطوة منذ فترة، وأن التحرك للحكم الإسلامى فى مصر حدث تدريجياً، وأن مصر فى الطريق لأن تصبح دولة إسلامية وفقاً للنموذج التركى.

فى هذا الوقت، راحت جماعة الإخوان تدعو إلى التظاهر فى جميع المحافظات ترحيباً بقرارات الرئيس، وزحف المئات إلى قصر الاتحادية يهتفون: «حرية عدالة – مرسى وراه رجالة».. وبدأ بعض قادة الجماعة والمرتبطين بهم يروجون أن قرارات الرئيس جاءت للحيلولة دون حدوث انقلاب عسكرى بالتزامن مع مظاهرات 24 من أغسطس.

أما د.عصام العريان، فقد كان رأيه أن «القرارات جاءت لإحباط مخططات الثورة المضادة» ولكى تفضح الذين يعملون على نشر الفوضى»، مؤكداً أنها ارتبطت بأحداث سيناء التى أظهرت حالة من التراخى فى أداء المؤسسة العسكرية وعدم الانضباط فى هذا الوقت.

وراح العريان يتجنى على الحقيقة بالقول: «إن هذه القرارات كشفت الطرف الثالث الذى يعمل على إعاقة مسيرة التحول الديمقراطى للشعب المصرى»، ويبدو أن هذه الادعاءات هى التى روجها لأصدقائه الأمريكيين.

كان الموقف غامضاً، فحتى هذا الوقت، لم يستطع أحد الوصول إلى المشير أو رئيس الأركان، الهواتف كانت مغلقة، كان هناك اختفاء تام لهما وللآخرين، ويبدو أن ذلك تسبب فى انتشار موجة من الشائعات دفعت ياسر على «المتحدث الرسمى باسم الرئاسة» إلى نفى ما تردد عن وضع المشير ورئيس الأركان تحت قيد الإقامة الجبرية، وقال: إن المشير طنطاوى والفريق عنان لهما كامل التقدير، وأن الرئيس مرسى أكد فى الاحتفال بليلة القدر أن القرارات التى تم اتخاذها ليس مقصوداً منها أشخاص ولا مؤسسات، ولكن تجديد الدماء، وقال إن طنطاوى وعنان تم إبلاغهما بالقرارات الجديدة، السبت 11 من أغسطس قبل إعلانها.

كان كلام د.ياسر على الذى صرح به فى هذا الوقت يصطدم مع حقائق الأمور، فالقرارات كانت مفاجئة، وأستطيع أن أقول بكل ثقة: إن المشير ورئيس الأركان لم يكونا على علم بهذه القرارات وأنهما فوجئا بوقائع ما جرى.

لقد ترددت فى هذا الوقت روايات عديدة، جميعها كاذبة، حول مواجهة الرئيس للمشير ورئيس الأركان بملفات عن الفساد أو تسجيلات عن انقلاب عسكرى، كان يجرى تدبيره ضد الرئيس، وهو ما دفع المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى إصدار نفى على لسان «أدمن» صفحته لما أذاعته قناة «الحرة» الأمريكية فى هذا الوقت من قيام مصدر فى المخابرات الحربية بالتصريح بأكاذيب عن ملفات حساسة تخص المشير ورئيس الأركان جرى تسليمها للرئاسة ومواجهتهما بها.

ونفى المصدر العسكرى فى هذا الوقت أنهما قيد الإجابة الجبرية، ووصف ما نشر وأذيع بأنه يأتى ضمن سلسلة المغالطات والأكاذيب التى لا تهدف إلا إلى زعزعة الاستقرار فى مصر، وداخل القوات المسلحة، وأن المجلس الأعلى أكد أنه لا صحة مطلقاً لهذه الأكاذيب، وأن كلاً من المشير طنطاوى والفريق عنان يمارس حياته بصورة طبيعية، ويمارس وظيفته الجديدة التى كلف بها مستشاراً للرئيس.

ورداً على انتشار الأكاذيب عن أن اكتشاف محاولة للانقلاب العسكرى، كان هو السبب وراء قرارات الرئيس، قال «أدمن» صفحة المجلس العسكرى: «إن المجلس العسكرى أدى الأمانة وعبر بمصر إلى بر الأمان وسلمها إلى السلطة الشرعية التى انتخبها الشعب المصرى، وأثبت أنه ليس طامعاً فى سلطة ولا يسعى إلى منصب» رغم ما سماه بمزايدات الكثيرين، وقد آن الأوان ليستريح الفارس بعد عناء الرحلة!

فى هذا الوقت، كان الناس مهتمين بالحديث عن وقائع ما جرى، والاتهامات الكاذبة التى رددتها عناصر من جماعة الإخوان، وتناسى الكثيرون خطورة إلغاء الإعلان الدستورى المكمل وما يمكن أن يليه من قرارات.

ظل الجدل فى الشارع مستمراً ولعب الإعلام وبعض قيادات جماعة الإخوان والنشطاء دوراً تحريضياً بحملة من الأكاذيب استهدفت المشير والفريق عنان تحديداً، إلا أن القوات المسلحة لم تشهد أى تحرك معادٍ لهذه القرارات، وكان لذلك أسباب متعددة أبرزها:

– أولاً: قبول المشير والفريق عنان والقادة الذين تمت إقالتهم لهذه القرارات، حرصاً على استقرار البلاد ووحدة الجيش وإعلاء للمصلحة الوطنية على حساب الموقف الذاتى.

– ثانياً: قبول الجيش بالتغييرات الجديدة، خصوصاً أن الفريق أول عبدالفتاح السيسى والفريق صدقى صبحى يتمتعان بشعبية وقبول كبير داخل مختلف أوساط القوات المسلحة، باعتبارهما يمثلان الجيل الجديد الذى باتت القوات المسلحة فى حاجة إليه ليكمل مسيرة العطاء للقادة السابقين، لا سيما أن المجلس العسكرى مهد لهذه القرارات منذ مايو 2012.

– ثالثاً: التطورات التى تشهدها البلاد والتى تتطلب الحرص على الاستقرار ورفض أى محاولات للانقسام، وهى عقيدة ثابتة لدى الجيش المصرى الذى تحمل ضباطه وجنوده الكثير من الإهانات خلال الفترة الانتقالية وحتى عودتهم للثكنات.

لكل ذلك، لقى التغيير الجديد فى قيادة الجيش حالة من القبول داخل أوساط القوات المسلحة، وإن كان هناك من رأى أن الطريقة التى تمت بها إقالة القادة كانت مهينة، ولا تعكس احتراماً للدور الذى قاموا به طيلة تاريخهم وتحديداً خلال فترة الثورة والفترة الانتقالية وصولاً إلى تسليم السلطة لرئيس منتخب.

ومنذ هذا الوقت، اختفى المشير ورئيس الأركان ورفضا الحديث عن وقائع ما جرى، وإن كانت محاولات الاستفزاز والتهليل لانتصار الرئيس وإسقاطه لما سموه «بالحكم العسكرى» لم تتوقف.

إن السؤال الذى يطرح نفسه، هل كان المخطط أكبر من عزل المشير ورئيس الأركان وإلغاء الإعلان الدستورى المكمل، أم أن الأمر جرى فقط بقصد الإمساك بكل خيوط اللعبة فى يد رئيس الدولة؟

إن غالبية المحللين السياسيين الذين تابعوا الأحداث منذ وصول الرئيس مرسى تحديداً إلى سدة الحكم فى البلاد، أدركوا أن المسألة لم تكن متعلقة بما تردد -دون سند- عن استرداد الرئيس صلاحياته التى اغتصبها المجلس العسكرى، كما كانوا يقولون، وإنما الأمر كان متعلقاً بما هو أخطر: تغيير هوية الدولة المصرية وإعداد دستور يكرس لذلك، فى غيبة المجلس العسكرى، الذى كان يتمتع بمقتضى الإعلان المكمل بسلطات تمكنه من التصدى لأخونة الدستور وتغيير هوية الدولة.

كان بإمكان المشير أن يقول لا لإلغاء هذا الإعلان المكمل، لكنه لم يفعلها خوفاً من دخول البلاد فى صراعات حاول تجنبها، لكنه بالقطع يشعر الآن بالندم عندما سمح للرئيس بتجاوز هذا الإعلان المكمل، خصوصاً أنه لم يكن بالقطع يعرف أن مصير البلاد أصبح على المحك بفعل انفراد الرئيس بكل السلطات وتولى مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان مهمة تجاوز كل الثوابت والخطوط الحمراء وإثارة الانقسام والفوضى.

المصادر: كتاب “الجيش والإخوان.. أسرار خلف الستار” للأستاذ مصطفي بكري

 

الأوسمة: , , , , , , ,

 
%d مدونون معجبون بهذه: